القواعد الأصولية المتعلّقة بمباحث الحكم والأدلّة عند الإمام النووي في المجموع – زكريا عبد الرحمن حمد

جامعة بغداد

اسم الكلية

جامعة بغداد- كلية العلوم الاسلامية

القسم

قسم الشريعة  

الاسم الكامل

زكريا عبد الرحمن حمد

البريد الالكتروني

الشهادة

( ) مدرس مساعد

( ) مدرس

( ) استاذ مساعد

( ) استاذ

( ) ماجستير

( ) دكتوراه

اسم المشرف

أ.م. د. أحمد محمد فروح

عنوان الرسالة

القواعد الأصولية المتعلّقة بمباحث الحكم والأدلّة عند الإمام النووي في المجموع

السنة

2012

الملخص

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

     الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.

     أمّا بعد: فإن عِلم أصول الفقه هو أحد العلوم الشرعية الضرورية التي لابدّ للفقيه، أو الحاكم، أو المفتي من إدراكه، ومعرفته؛ لكونه العمدة في الاجتهاد، واستنباط الأحكام الفرعية على الوجه الصحيح؛ إذ هو العاصم لذهن الفقيه، وغيره عن الخطأ والزلل في الاستنباط على غِرار قوانين علم المنطق التي تَعْصِمُ مراعاتُها الذِّهنَ عن الخطأ في التفكير، والاستنتاج.

     ولعلّ أبرز الجوانب الدّالة على أهميّة هذا العلم _ هو أن دراسةَ هذا العلم، والانشغالَ به، يُنير الطريق أمام المرء بالمناهج القويمة التي سلكها الأئمة المجتهدون في استنباط الفروع الفقهية، ويُبَصِّرُه بالقيمة الرّفيعة التي تحتضنها تلك الفتاوى، والاجتهادات المدوّنة، من حيث إنها ليستْ عملية سهلة لغاية ما يَتصوّرُه البعضُ من وَضْع كتاب الله تعالى، وسُنّة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، ثمّ النظر فيهما بأبسط ما يُتصوَّرُ؛ لاستنباط الأحكام من نصوصهما، واستخراج الفروع من أصولهما.

     بالإضافة إلى أن أصول الفقه هو العلم الكفيلُ بحفظ مصادر الشريعة من التلاعب، والعبث فيها لدى أهل الأهواء، والفتاوى العمياء؛ لأن فيه قواعدَ قـــارّةً لا يمكن الخروج عن جادّتها، ولا التفلّت منها؛ وإلاّ رَجَعَ وهو خائبٌ، خاسرٌ.

   هذا، وإن أهميّته لا تقفُ عند اختصاص بالخصوص، بل هو ممّا لا غِنى عنه في كلّ ما هو مكتوبٌ، سواء أكان باللغة العربية، أم بغيرها من اللغات؛ لأنه هو الميزان لفهم العبارة، وصحة تفسيرها، ومعرفة المراد منها.

     ونظراً لأهميّة هذا العلم، وعظمته اعتنى به العلماء، وأشبعوا جزئيّاته فضلاً عن كليّاته بحثاً وتقصّياً، ولذلك تركوا ثروة كبيرة، وتراثاً ضخماً في هذا المجال.

     إذا تبيّن ذلك فإن أَوْلى ما صُرفتْ فيه نفائسُ الأيـــام، وأعلى ما خُصَّ بمزيد الاهتمام هو الاشتغال بالعلوم، ومعرفة العلماء الذين ضحُّوا بأنْفَسهم، وأنْفُسهم لأجل رفع شأن هذا الدِّين، وإعلاء منزلته.  

     ولمّا كان الإمام النووي فارسَ ميدان هذا العلم، _ وغيره من العلوم _ كان جديراً بالبحث والدّراسة؛ إذ إنه (رحمه الله) وإن لم يكن له تأليف خاصّ في عِلم أصول الفقه، غير أن آثار تضلّعه في هذا العلم منجليةٌ أمام أولي النُهى، والأبصار في كتبه الفقهية عامّة، وكتابه المجموع خاصّة؛ لأنه ما إن يُورِدُ فيه فرعاً من الفروع الفقهية، إلاّ وهو آت في أكثر الأحيان بقاعدة أصولية لتأصيل ذلك الفرع الفقهي، ممّا يدلّ على أن الإمام عنده عقليّة أصوليّة قويّة، وأنه مُدرِكٌ لجميع ما تناوله الأصوليّون الكِبارُ قبله من الكُبريات، والصُّغريات.

    فحَفَزني كلُّ ذلك بــــــأن أكتب عـن هذه الشخصيـــة الكبيـرة، وأن أتشرّفَ بــــــــــإبراز جوانب مـــن جهوده

الأصولية في كتابه المجموع، خاصّة وهو (رحمه الله) المعتمد لدى أبناء جلدتي (العلماء والشيوخ على وجه الخصوص) في كوردستان؛ إذ ما يُقال، ويُسمَعُ: هكذا قال الإمام النووي…. فتجدُ الآذان صاغية، والنفوس ساكنة، والأذهان كليلة؛ لِشدّة اعتبارهم لآراء الإمام، وكلامه.

     كيف لا وهو بركة المَذهب الشافعي، ومُهذِّبه، ومُصحِّحه، وهو أحد الشيخَيْن المعتبرَيْن المعتمدَيْن، بل هو أرجحهما، وأقواهما.

     لذلك كلّه وجدتُ نفسي مشتاقة على أن أدلو بدلوي في هذا الجانب، وأُقدّم خدمة متواضعة لهذا الإمام الكبير.

     وأمّا الدافع لاختيار كتابه (المجموع شرح المهذّب) بالذات؛ فلِما له من الشأن العظيم، والمكان الرّفيع؛ حيث كان موضع اعتناء العلماء، واهتمامهم قديماً، وحديثاً؛ لأنه ليس مصدراً للشافعية فحسب، بل هو كتاب فقه مقارَن لكلّ المذاهب؛ فإن الإمام النووي قد تَعرّضَ فيه إلى أقوال أهل العلم في مختلف المذاهب، مُصاحِباً كلّ قول منها بالدليل.

     بالإضافة إلى أن هذا الكتاب رغم أهميّته، وعلوّ شأنه لم يحظ بدراسة أيّ جانب من جوانبه العلمية _ حسب اطّلاعي _، خاصّة في العراق.

     فكلّ ما تقدّم كان الدّافع الحقيقي لاختيار هذا الجانب من جوانب الإمام النووي العلمية في كتابه المجموع، وجعله مشروع أطروحتي.

     ومن هنا أودّ تقديم بالغ شكري، وامتناني إلى فضيلة الدكتور عثمان محمد غريب الحَلَبْجي _ متّعه الله بالصحة والعافية _ لدوره الكبير في تبصيري بهذا العنوان؛ حيث أشار عليّ: بأن هناك جمعاً من الباحثين يختارون المسائل الأصولية في كتاب من الكتب الفقهيّة المعتمدة، وكتاب المجموع للإمام النووي حريّ باستقصاء المسائل الأصولية فيه، إذا كنتُ أريد أن أحذوَ حذوهم، مع تنبيهه لي مِن توقّعه مِن كثرة المسائل، والقواعد الأصولية الواردة فيه.

     فكان قوله هذا بمثابة بَذْرة أتحفني بها، ثمّ أخذتْ تخالج شعوري وفكري، وازدادتْ بمرور الأيام إلى أن أصبحتْ قطوفاً دانية.

     ومن الجدير بالذكر أن عنوان الأطروحة كان إبّـــان الأمر: (القواعد الأصولية عند الإمام النووي في المجموع)، غير أنه بعد قراءتي لكتاب المجموع بأجزائه العشرة قراءة جيّدة، ارتاحتْ بها نفسي، تكوّنتْ لديّ مجموعة من القواعد الأصولية، بلغتْ أكثر من مائة وعشر قواعد، تشمل معظم أبواب الأصول من الحكم، والأدلة، والمباحث اللغوية، والتعارض والترجيح، والاجتهاد، والتقليد. رغم أن الإمام (رحمه الله) إنّما شَرَحَ باب العبادات، وبعضاً من باب البيوع والمعاملات.

     لذلك شاورتُ أستاذي المشرف، وغيره من أهل المشورة بشأن تعديل العنوان؛ لِمـــا تحتاج دراسة تلك الحصيلة من القواعد إلى وقت كثير، ربما أكثر من الوقت المسموح به، بالإضافة إلى خروج الأطروحة عن حجمها الطبيعي إلى حدّ يُنفَرُ منها.

     فوصلتُ نتيجةَ ذلك إلى أن قدّمتُ بطلبٍ لتعديل العنوان إلى: (القواعد الأصولية المتعلقة بمباحث الحكم والأدلة عند الإمام النووي في المجموع)، ووافقتِ اللجنةُ العلميّةُ الموقّرةُ على ذلك مشكورةً.

     وأمّا البقيّة الباقية من القواعد الأصولية المتعلقة بالمباحث اللغوية، والتعارض والترجيح، والاجتهاد والتقليد، فقد كنتُ _ حقيقة _ مهموماً بشأنها، ضائقاً بأمرها، لكنّه بحمد الله ما مضتْ إلاّ فترة يسيرة، حتى أخذَ بها ثلاثة من الباحثين _ حسبما علمتُ _، وبذلك تكامَلَ كلُّ الجوانب الأصولية عند الإمام النووي في المجموع.

     وأمّا أهميّة هذا الموضوع فتكمن في كونه متعلّقاً بعلم أصول الفقه، وقد سَبقَ ذكر شيء من أهميته، وفي كونه متعلّقاً بإبراز جهود عالم جليل، وعرض صورة من مكانته الأصولية.

     وأمّا الصعوبات التي واجهتني خلال هذه الرّحلة مع القواعد الأصولية عند الإمام النووي _ رغم أن تعرّض الباحث لها من الأمور البديهية _ فهي مرحلة البحث عن مستند القاعدة من خلال عرض القاعدة، فقد كنتُ أُذلِّلُ كلّ الصعاب، وأبحث في كلّ منعطف، وزاوية؛ لإيجاد ما يمكن أن تستند إليه القاعدة الأصولية؛ لأن الأصوليين لم يكونوا يتطرقون إليه بشكل واضح للعيان، كما هو المنهج المتّبع لدى المشتغلين بالقواعد الفقهية من العلماء.

     وأمّا المنهج الذي اتبعته في هذه الأطروحة، فهو منهجٌ مركّبٌ من منهجَي الوَصْفِيّ، والتَّحْلِيليّ. أمّا كونه وصفيّاً فلأني أتيتُ بالقواعد الأصولية التي أوردها الإمام النووي في المجموع، وتبنّاها من غير أن أضف قاعدة أخرى لم يذكرها الإمام، أو أحذف قاعدة _ فيما يتعلّق بمدار عنوان أطروحتي_ ذكرَها الإمام، بالإضافة إلى نقل القواعد الأصولية على الشكل، والصيغة التي ذكرها من غير أن أتصرّفَ فيها. اللهم إلاّ إذا أتى بها في مواضيع عديدة، وبأساليب متنوعة، وتعابير مختلفة، فعندئذ أحاول الوصول إلى صيغة تَليقُ بصِيغ القواعد الأصولية الواردة في مظانّها في المصادر الأصولية من خلال الكلمات، والتعابير التي عبّرَ بها الإمام عن القاعدة، كما في قاعدة المبحث الأول من الفصل الثالث التي هي: (قد يفعل الرسول (صلى الله عليه وسلم) في بعض الأوقات خلاف ما واظب عليه في معظم الأوقات لبيان الجواز)، وغيرها. وأمّا كونه منهجاً تحليليّاً فلأنه شرحتُ المفردات التي تكوّنت منها القاعدة، إذا كانت بحاجة إلى الشّرح والبيان، وبيّنتُ المعنى الذي تُفيده القاعدة بشكل مجمل، ثمّ بذلتُ أقصى جهدي لإيجاد ما يمكن أن تستند إليه القاعدة، بالإضافة إلى ذكر آراء الأصوليين المتعلقة بالقاعدة من الموافقين مع الإمام، والمخالفين له، ومناقشة تلك الآراء وغربلتها، ومن ثمّه الوصول إلى ذِكْر فرع فقهي، أو أكثر من الفروع الفقهية التي تندرج تحت القاعدة التي الكلام بصددها.

     إذا تبيّن ذلك فإن هناك أموراً أخرى، لابدّ من الإشارة إليها حتى يتّضح المنهج السائد في هذه الأطروحة أمام قارئها بشكل جليّ، وهي:

–       من المعلوم أن كتاب (المجموع شرح المهذّب) قد طُبع، ونُشر مرات عديدة، إلاّ أنني قد اعتمدتُ في هذه الأطروحة على الطبعة التي قام بها دار الكتب العلمية ببيروت سنة: (2007م _ 1428هـ)، والتي فيها تحقيق، وتعليق، وتكملة ثمانية من الشيوخ الأفاضل، وهم: عادل أحمد عبد الموجود، ود. مجدي سرور باسلوم، ود. أحمد عيسى حسن المعصراوي، ود. أحمد محمد عبد العال، ود. حسين عبد الرحمن أحمد، ود. بدوي علي محمد سيد، ود. محمد أحمد عبد الله، ود. إبراهيم محمد عبد الباقي.

–       إنّما أتناول بالبحث والدراسة القواعد الأصولية التي أوردها الإمام النووي في كتابه المجموع، وتبنّاها بشكل صريح بأن قال: وهو الصحيح، أو قال: للقاعدة الأصولية، أوما شابه ذلك. وأمّا ما جاء فيه من القواعد الأصولية ضمن أقوال العلماء، والإمام (رحمه الله) نقلها استشهاداً لأمر مّا، أو ذكر الأمثلة الدالّة على مفهوم قاعدة أصولية، فلا ألتفت إليها.

–       ذكرتُ القواعد الأصولية كعناوين للمباحث على مقتضى ما تبنّاها الإمام، ودافَعَ عنها، بحيث إن القارىء ليُدرِكُ منذ مطلع المبحث، واطّلاعِه على نصّ القاعدة _ رأيَ الإمام في القاعدة. والتزمتُ بهذا المنهج حتى في القواعد التي تُصاغ عادة باتّجاهَيْن، أو على شكل استفهامي، مثل: الحسن والقبح شرعيان أم عقليّان، القضاء يجب بالأمر الأول أم بأمر جديد، والفرض والواجب مترادفان أم لا…وهكذا. 

–       جعلتُ رأي الإمام النووي في القاعدة الأصولية التي تبنّاها باكورة المذاهب، آتياً بعد ذلك بكلامه _ إن كان له _ ، وتعليقاته حول القاعدة التي يكون الكلام بصددها، ثم أتبعتُه بذكر الموافقين معه من العلماء، والمذاهب، ذاكراً أهمّ ما استدلوا به لتقوية وجهة نظرهم تجاه القاعدة، ثم ذكرت المخالفين للإمام النووي، وأقوى ما استدلوا به. ولم أَنْسَ من خلال ذلك أهمّ الردود، والمناقشات التي جرتْ بين كلّ من هذه المذاهب، الموافقين مع الإمام، والمخالفين له، هذا فضلاً عن بعض التعليقات التي قد ظهرتْ لي من خلال ذلك، ثم ذكرتُ القول الراجح حسبما يَميل إليه القلبُ تبعاً لقوة الأدلة، واعتبارها، وإن كنتُ اعتبر نفسي بمثابةِ أقلَّ من البقلة التي هي من بين أصول النخلة الطِّوال. وحريّ بالإشارة إلى أنه لم يكن في بال الباحث من خلال ذلك إلاّ الوصول إلى رأي سديد، وقويّ في نظره، منطوياً كشحه عن التقيّد بالتعصّب، والتجشّم لمذهب، أو عالِم بعينه. ومن هنا يَحينُ للباحث طلب اعتذار بمنتهى الأدب، والإجلال من الإمام النووي (رحمه الله) على ما إذا وقع الاختيار على غير ما رآه؛ لأن هذا هو ما يقتضيه البحث العلمي النزيه.  

–       ومن منهجي أني لم أتطرق إلى كلّ الأدلة النقلية، والعقلية التي استدلّ بها أصحاب المذاهب، ولا إلى كلّ المذاهب التي تكلّمتْ حول القاعدة المعنية بالدراسة والبحث بشيء مّا، وإنّما اكتفيتُ في ذلك بالقدر الذي يفيد تقديم القاعدة برؤية واضحة، وعرضها بشكل غير مُخِلٍّ، ولا مُمِلّ.

–       ثمّ ختّمتُ القواعد الأصولية بذكر ثمرة الخلاف الواقع فيها من الفروع الفقهية التي ذَكَرَها الإمام النووي في المجموع، مقتصراً في غالب الأحيان على إيراد فرع فقهي واحد منها، وقليلاً ما آتي بذكر فرعين، وربّما ثلاثة. وإذا لم يكن الإمام ذاكراً شيئاً من الفروع الفقهية، فسأقوم بإتيان فرع فقهي، أو أكثر؛ تخلّصاً بذلك من الجفاف النظري المحيط بالمسائل الأصولية، خاصة لدى مدرسة المتكلمين، أو الشافعية. ثم إنه من خلال تطرقي إلى الفروع الفقهية لا أكتفي ببيان المذهب الشافعي فقط، بل آتي مع ذلك بمقرَّرات المذاهب الأخرى الشهيرة من الحنفية، والمالكية، والحنابلة؛ بغية أن تكون الفروع الفقهية الواردة في الأطروحة فقهاً مقارناً، كما كانت القواعد الأصولية الواردة فيها أصولاً مقارناً. ومن هنا أودّ القول بأنه قد اقتصرتُ في هذه الأطروحة على المذاهب الأربعة الشهيرة في أغلب ما ورد فيها؛ لِما وجدتُ فيها من الكفاية.

–       ومن منهجي عزو الآيات إلى سورها مع بيان رقمها في الهامش، مبيّناً إن كانت الآية المذكورة كاملة، أو جزءاً من الآية. كما خرّجتُ الأحاديث، والآثار في مظانّها المعتمدة من كتب الصحاح، والسنن، ومسند الإمام أحمد بن حنبل، ذاكراً ما يتعلّق بالحديث المشار إليه في موضعه من الكتاب، والباب، ورقمه، ونقل درجة الحديث في أكثر الأحيان، مكتفياً بالبخاري ومسلم، أو أحدهما فيما إذا وردَ فيهما، وإلاّ خرّجته في غيرهما من السنن، والمسند. ثم الجدير بالتنبيه أنه إذا تكرّر الحديث الواحد في مصدر بعينه، فإنّما أكتفي بموضع واحد فقط، إلاّ إذا كان هناك فائدة.

–       وقد حاولتُ قدر ما أمكنني توثيق القواعد الأصولية التي تبنّاها الإمام النووي في المجموع من خلال الرجوع إلى شرحه لصحيح مسلم، وكتابه التقريب، وروضة الطالبين.

–       كما ترجمتُ لأكثر الأعلام الواردة في صلب الأطروحة في الهامش، ووضعتُ سنة الوفاة للقليل البـــاقي من الأئمـــة الأربعــة، وغيرهم، وبعض المعـــــاصرين الذين اخترمتهم المنيـــة، مستثنياً من ذلك الصحابة البررة الكِرام، اللهم إلاّ إذا كــــان متوغّلاً في الإبهام. 

–       ومن منهجي أيضاً في هذه الأطروحة أني لا أذكر المعلومات الضرورية المتعلّقة بالمصادر في الهامش أوّل استخدامها، بل أرجأتُ بيان تلك المعلومات إلى فهرس المصادر والمراجع؛ لأن إقحامها في صلب الأطروحة يؤدّي _ بلا شك _ إلى حدوث تَكرار في بيانها، ممّا يترتّب على ذلك تكبير حجم الأطروحة بالقدر الذي استغرقه فهرس المصادر والمراجع من الصفحات، وهذا أمر غير محمود، بالإضافة إلى وقوع إزدحام أكثر في الهامش، خاصة في الفصل الأول. ومعلومٌ أن هذا النمط من استخدام المصادر ليس بدعاً من الباحث، بل هو منهجٌ مستعمل، ومعروف في كتابة البحوث، والرسائل، والأطاريح.

–       قد يتراءى للقارىء هنا وهناك استعمال كلمة: بعض الأصوليين، أو بعض العلماء، وغير ذلك من الألفاظ المبهمة نقلاً منّي في المصادر، غير أني قد بذلتُ قصارى جهدي لمعرفة المراد منهم، فإذا تمكّنتُ من ذلك، ووصلتُ إلى نتيجة، بيّنتُها في المتن، أو في الهامش؛ تجنّباً من كثرة الهوامش، والتراجم، وإلاّ تركتُه كما هو.

–       وأمّا الانسجام بين الفصول في الحجم، وعدد الصفحات، فرغم عِلمي بكون ذلك من الأمور المستحسنة في نظام البحوث بشكل عام، غير أنه لم يكن بالإمكان مراعاة ذلك؛ لأن مَدار الأطروحة مُنصبٌّ على القواعد الأصولية المتعلقة بالحكم، والأدلة عند الإمام النووي في المجموع حصراً. والأدلة _ كما هو معلومٌ _ تنقسم إلى أدلة متفق عليها، وأدلة مختلف فيها، والقواعد الأصولية التي أوردها الإمام، وتبنّاها كان أغلبُها متعلّقاً بالأدلة المتفق عليها، وأقلّها كان متعلّقاً بالأدلة المختلف فيها، وأمّا ما يتعلّق بالحكم فكان وسَطاً لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء. إذا تبيّن ذلك، فإنه لم يمكن انضمام فصل المختلف فيها إلى فصل الحكم؛ لأن ذلك مع وجود فصل المتفق عليها من الأمور المُزرية شكلاً ومضموناً، كما لم يمكن انضمامه إلى فصل المتفق عليها؛ لِمــا يؤدّي ذلك إلى التباين الكبير في الحجم، فلم يبقَ إلاّ البقاء على استقلال كلٍّ برأسه.

     وأخيراً فإنه رغم الجهود الجبارة التي تُبذلُ في سبيل نشر العلم بالوسائل المتاحة في عصرنا من الشبكة العالمية (الإنترنت)، والأقراص الليزرية (CD )، حيث أصبحَ الحصول على المعلومات، والمعارف سهلة للغاية، غير أنّي حقيقة ما استفدتُ من تلك الوسائل بشيء يُُذكَر، ولم تكن معتمدي في هذه الأطروحة، وإنما استقيتُ المعلومات من المصادر مباشرة، وملموساً؛ لأني تربّيتُ بين يدي المشايخ في حُجَر المساجد، فتجدني سرعان ما انزعجُ، واتضجرُ من متابعة المعلومات على شاشات الكومبيوتر الصغيرة، وبالمقابل تجدني أشعر بِراحة كبيرة، ولَذّة كثيرة في الجلوس على المصادر، وتقليب تلك الصفحات الصفراء.

     نعم من الوفاء الجميل أن أذكرَ بأنه قد حصلتُ على نسخة مملوءة بالأخطاء اللغوية من الإنترنت من كتاب: (تحفة الطالبين في ترجمة الإمام النووي)، لابن العطار (رحمه الله) في موقع (المصطفى) بواسطة بعض الأخوة _ جزاهم الله خيراً _ المحترفين في هذه الأمور؛ وذلك لضرورة الكتاب لبيان ترجمة الإمام النووي، وعدم إمكاني الحصول على نسخة أخرى مع بذل أقصى حولي وقوتي، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.     

     وأماّ الخطة المتّبعة في هذه الأطروحة، فهي بعد هذه المقدمة تتكوّن من أربعة فصول، وخاتمة.

أمّا الفصل الأوّل المخصّص لتعريف كلّ من الإمام الشيرازي، والنووي، والمجموع، والقواعد الأصولية _ فيتكوّن من أربعة مباحث:

        المبحث الأول: في التعريف بالإمام أبي إسحاق الشيرازي، ويشتمل على سبعة مطالب:

            المطلب الأول: اسمه ونسبه ولقبه وكنيته.

            المطلب الثاني: ولادته ونشأته.

            المطلب الثالث: مكانته العلمية.

            المطلب الرابع: شيوخه.

            المطلب الخامس: تلاميذه.

            المطلب السادس: وفاته.

            المطلب السابع: آثــاره. 

        المبحث الثاني: في التعريف بالإمام النووي، ويتكوّن من ثلاثة مطالب:

            المطلب الأول: عصر الإمام النووي السياسي والعلمي، وفيه فرعان اثنان:

               الفرع الأول: الناحية السياسية.

               الفرع الثاني: الناحية العلميّة.

            المطلب الثاني: حياة الإمام النووي الشخصية، ويتكوّن من سبعة فروع.

               الفرع الأول: اسمه ونسبه وكنيته ولقبه.

               الفرع الثاني: ولادته ونشأته.

               الفرع الثالث: أسرته.

               الفرع الرابع: هيئته وخصاله.

               الفرع الخامس: زهده وورعه.

               الفرع السادس: مناصحته للحكّام.

               الفرع السابع: وفاته.

            المطلب الثالث: حياة الإمام النووي العلمية، ويتضمن فروعاً أربعة:

               الفرع الأول: شيوخه.

               الفرع الثاني: تلاميذه.

               الفرع الثالث: مكانته العلمية.

               الفرع الرابع: مصنّفاته.

        المبحث الثالث: في التعريف بالمجموع، وفيه مطلبان:

            المطلب الأول: منهج الإمام النووي في المجموع.

            المطلب الثاني: الفكر الأصولي عند الإمام النووي في المجموع.

        المبحث الرابع: في التعريف بالقواعد الأصولية، ويتكون من ثلاثة مطالب:

            المطلب الأول: تعريف القاعدة الأصولية، وفيه فرعان:

               الفرع الأول: تعريف القاعدة الأصولية باعتبارها مركباً.

               الفرع الثاني: تعريف القاعدة الأصولية باعتبارها لقباً.

            المطلب الثاني: وجه العلاقة بين القواعد الأصولية وأصول الفقه.

            المطلب الثالث: الفرق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية. 

     وأمّا الفصل الثاني المخصّص للقواعد الأصولية المتعلقة بالحكم، فيشتمل على ثمانية مباحث:

            المبحث الأول: الحسن والقبح شرعيان لا عقليّان.

            المبحث الثاني: لا حكمَ قبل ورود الشرع.

            المبحث الثالث: الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.

            المبحث الرابع: ما لايتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب.

            المبحث الخامس: للقائم بفرض الكفاية مزية على القائم بفرض العين.

            المبحث السادس: القضاء يجب بأمر جديد.

            المبحث السابع: الفرض والواجب مترادفان شرعاً.

            المبحث الثامن: الباطل والفاسد مترادفان.

وأمّا الفصل الثالث المخصّص للقواعد الأصولية المتعلقة بالأدلة المتفق عليها، ففيه ستة عشر مبحثاً:

            المبحث الأول: قد يفعل الرسول (صلى الله عليه وسلم) في بعض الأوقات خلاف ما واظب عليه في معظم الأوقات لبيان الجواز.

            المبحث الثاني: الصحابة كلّهم عدول.

            المبحث الثالث: مرسل الصّحابي حجة.

            المبحث الرابع: مرسل غير الصحابيّ لا يُحتجّ به.

            المبحث الخامس: قول الصحابي: أُمرنا بكذا، أو: من السنة كذا، ونحوهما في حكم المرفوع.

            المبحث السادس: قول التابعي: من السنة كذا موقوفٌ على بعض الصحابة.

            المبحث السابع: زيادة الثقة مقبولة.

            المبحث الثامن: الحديث إذا رُوي متصلاً ومرسلاً حُكم له بالاتصال.

            المبحث التاسع: الجرح لا يُقبل إلاّ مفسَّراَ.

            المبحث العاشر: المدلّس لا يُحتج بروايته إلاّ إذا بيّن السماع.

            المبحث الحادي عشر: المستور يحتجّ بروايته.

            المبحث الثاني عشر: عمل الرّاوي وفتواه بخلاف حديث رواه لا يُوجب ضعفه.

            المبحث الثالث عشر: إجماع أهل المدينة غير معتبر.

            المبحث الرابع عشر: قول الصحابي حجة إذا انتشر من غير ظهور مخالفة.

            المبحث الخامس عشر: الإجماع لا يَنسخ ولا يُنسخ.

            المبحث السادس عشر: لا عبرة بالقياس مع الفارق.

وأمّا الفصل الرابع المخصّص للقواعد الأصولية المتعلقة بالأدلة المختلف فيها، فيتضمن ثلاثة مباحث:

            المبحث الأول: قول الصحابي ليس بحجة.

            المبحث الثاني: ما لم يرد الشرع بتقديره فالمرجع فيه إلى العرف.

            المبحث الثالث: الاستصحاب حجة معتبرة.

     ثمّ ذكرتُ في الخاتمة أهمّ النتائج التي أفرزتها تلك الفصول، والمباحث، والمطالب.

وأخيراً هذا هو عَمَلي، وآخر ما تيسّر لي من غير ادّعاء كمال؛ فإن الكمال لله تعالى وحده، لكنّ الباحث قد بذل قصارى جهده، وأفدى بحمادى فكره وذهنه، وأعمل جميع مواهبه، بل الذي يهمّه إرضاء ضميره في كلّ ما تناوله، لذا فإن يكن صواباً فمن الله تعالى، وفضله _ وذلك هو المبتغى _، وإن أخطأ _ وهو من طبع البشر _ فمن نفسه، سائلاً المولى العفو والغفران