في استقراءٍ معرفيٍّ معمق لآفاق الفكر الديني القديم وتطور التصورات العقائدية انطلقت اليوم برعاية عميد كلية العلوم الإسلامية بجامعة بغداد الأستاذ الدكتور نعمة دهش فرحان فعاليات الدورة التدريبية التخصصية الموسومة بـ (مفهوم الإله في التاريخ: مقارنة بين بلاد الرافدين وبلاد السودان) والتي نظمتها وحدة التعليم المستمر بالتعاون مع قسم التاريخ والحضارة الإسلامية وسط حضور نخبوي من الأكاديميين والباحثين المهتمين بتطور الأنساق الفلسفية والثيولوجية عبر العصور.
وقد استهلت المحاضِرتان الدكتورة فرح مصطفى قاسم و الدكتورة زهراء كاظم لعيبي الجلسة بطرحٍ رصين هدفَ إلى تتبع الجذور الأولى لفكرة “الألوهية” وكيفية تجسيدها في الذهنية الجمعية لسكّان وادي الرافدين ووادي النيل في السودان القديم حيث سعت الدورة إلى عقد مقاربة منهجية تكشف عن أوجه التشابه والتباين في تمثيلات القوى الغيبية وكيف انعكست تلك التصورات على البناء الاجتماعي والسياسي لكلا الحضارتين مما يساهم في فهم أعمق للرابطة الروحية التي جمعت بين الشعوب القديمة رغم التباعد الجغرافي.
وعلى صعيد التحليل التاريخي تناول المحور الأساسي للدورة قراءة في النصوص المسمارية والهيروغليفية والآثار المادية التي وثقت تطور الذات الإلهية في المعتقدات القديمة وهو ما قاد المشاركين إلى جملة من الرؤى والتوصيات التي شددت في مجملها على ضرورة إدراج مادة “التاريخ المقارن للأديان” بشكل أوسع في المناهج الأكاديمية مع التأكيد على أهمية حماية الإرث الآثاري الذي يوثق هذه التحولات الفكرية فضلاً عن الدعوة لفتح آفاق التعاون البحثي بين الجامعات العراقية والسودانية لاستكمال هذه الدراسات الأنثروبولوجية التي تعيد قراءة الهوية الروحية للمنطقة.
وفي الختام تجلى من خلال هذا النشاط النوعي انسجاماً تاماً مع الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة (التعليم الجيد) إذ تسعى هذه الورشة إلى تقديم محتوى تعليمي يتسم بالعمق الفلسفي والحضاري مما يساهم في بناء وعي جمعي يحترم التنوع الثقافي والديني ويؤصل لقيم التفاهم الإنساني عبر فهم الجذور المشتركة للمعتقدات البشرية باعتبار المعرفة التاريخية الرصينة حجر الزاوية في بناء مجتمعات مستنيرة ومثقفة.

Comments are disabled.