نشر أستاذ الأدب الأندلسي المساعد، الدكتور صفاء عبد الله برهان، بحثا بعنوان (الفنون الشعرية المستحدثة بين العدوتين المغربية والأندلسية 484هـ–870هـ)، ضمن الجزء الثالث من المجلد الحادي والسبعين من مجلة المجمع العلمي العراقي.
البحث تناول الفنون الشعرية (الموشح والزجل والمولديات) التي نشأت في العدوتين، ثم تنقلت بينهما، وما رافق ذلك من تفاعل أدبي، أسهم في تشكيل المشهد الثقافي هناك، وقد توزع البحث على ثلاثة أقسام.
تناول القسم الأول (الموشحات)، بوصفها أبرز التجديدات في الشعر الأندلسي، تبعا لما انطوت عليه من بناء شعري وإيقاعي مغاير للنمط التقليدي. فذكر جهود أبي بكر ابن سهل اليكّي (ت 560هـ)، في مواصلة التجربة الموشحية، حين انتقاله إلى المغرب، وكذلك إسهام ابن غزلة المغربي في استمرارها وتداولها هناك، إلى أن بلغ الفن، مرحلة ناضجة مع ابن الخطيب الغرناطي (ت 776هـ)، الذي وظّف الموشح في أغراض متعددة، وأنشد عددًا منها بالمغرب، ثم جاء دور الشاعر المغربي سعيد السدراتي، المعروف بلقب «شهبون الأديب» (ت نحو 808هـ)، ليمثل امتدادًا متأخرًا للتجربة الموشحية بالمغرب، بما يؤكد أن الموشح لم يكن تجربة عابرة، بل مسارًا شعريًا، شارك في بنائه عدد من الشعراء، عبر أجيال متعاقبة.
أما القسم الثاني، فتناول (الزجل)، بوصفه فنًا شعريًا أندلسيًا، اتصل باللغة المتداولة والبيئة الاجتماعية، ثم انتقل إلى المغرب عن طريق حركة الزجالة كما المنشدين، ومنهم أبو الحسن الششتري (ت 668هـ)، الذي رحل إلى المغرب، وأنشد فيها أزجالًا ذائعة، وظفها في الوعظ والتجربة الروحية، ثم بدا تأثر المغاربة، فظهر الشاعر المغربي ابن شجاع التازي، مصوّرا بزجله أحوال المجتمع، ونقد التفاوت بين طبقاته، فيما قدم الزجال المغربي الكفيف الزرهوني (ت 749هـ)، زجلًا سياسيًا، رصد به الأحوال الاجتماعية والسياسية في المغرب المريني.
وخصص القسم الثالث (للمولديات)، وهي الأشعار التي ارتبطت بالاحتفاء بليلة المولد النبوي الشريف ويومه حصرا، ونشأت بسبتة أيام أبي العباس العزفي (ت 633هـ)، الذي رسخ الاحتفال بالمولد، وأصّل حضوره في المجتمع المغربي، ووضع كتابه «الدر المنظم في مولد النبي المعظم»، وأكمله بعده ابنه أبو القاسم العزفي (ت 728هـ)، الذي واصل المشروع، وأسهم في نشر الاحتفال بالمولد. وشارك الشاعر الأندلسي المنتقل إلى المغرب، أبو الحسن ابن رشيق المرسي (ت 696هـ) في رفد هذا الفن بالتجربة الشعرية الأندلسية، كما أسهم شاعر العدوتين مالك بن المرحل (ت 699هـ)، في الجمع بين الخصائص الشعرية المغربية والأندلسية، ثم جاء ابن الخطيب الغرناطي، ليجسد تداخل الذائقتين، مستفيدًا من حضوره في المغرب، ومشاركته في نظم الأشعار الدينية والمدائح.
وخلص البحث إلى أن هذه الفنون، ارتبطت بحركة الشعراء أنفسهم؛ فقد حملوا تجاربهم، وتفاعلوا مع حاضنتهم، فأعادوا تشكيل الأغراض والصيغ بحسب البيئة الجديدة. كما أسهم التشجيع الرسمي والشعبي، في تعزيز حضورهم، فدلّ ذلك على حيوية الشعر في العدوتين، وعلى أن جهود الشعراء، أسهمت في حفظ هذه الفنون وتطويرها، ونقلها من بيئة إلى أخرى؛ لتصبح شاهدًا على وحدة المجال الثقافي، وتنوع التجربة الشعرية بين العدوتين.

Comments are disabled.