استضافت قناة العراقية الفضائية أستاذ الأدب الأندلسي المساعد، الدكتور صفاء عبد الله برهان، في حوارية بعنوان (المسلمون في الأندلس)، تناولت التحولات الدينية والاجتماعية التي شهدتها الأندلس عقب سقوط مدنها بيد الممالك الإسبانية، وظهور جماعةالأندلسيين المدجّنين (Los Mudéjares)، وصولًا إلى تسليم غرناطة سنة 897هـ، وما أعقبه من محن الأندلسيين في ظل محاكم التفتيش القشتالية (Inquisición).
وأوضح برهان الأوضاع الإنسانية للمدجّنين الذين بقوا تحت حكم الممالك الإسبانية، وما تعرضوا له من تهميش وعزل في أحياء بائسة، فضلًا عن سلب حقوقهم ومصادرة أراضيهم. وعلى الرغم من هذه الظروف، تركوا أثرًا ثقافيًا وعمرانيًا بارزًا تمثّل في الفن المدجّن (Arte mudéjar)، الذي مزج بين التقاليد الفنية الإسلامية والفنون اللاتينية، وأسهم في تشكيل الهوية المعمارية لمدن أندلسية، مثل طليطلة وإشبيلية.
وتناول برهان جهود المدجّنين في المحافظة على تراثهم الديني، في ظل تراجع معرفتهم باللغة العربية، مستعرضًا تجربة الفقيه عيسى بن جابر الشقوبي، الذي عاش في مملكة أراغون (Aragón)، وأسهم في نقل العلوم الشرعية إلى اللغة الأعجمية (Aljamiado)، وهي القشتالية المكتوبة بالحروف العربية. وأشار إلى أن مبتكر هذه اللغة مجهول، فيما يُعدّ الشقوبي من أبرز المتعهدين باللغة والأدب الأعجمي، ولا سيما عبر كتابه (المختصر السني، الذي أسهم في تيسير المعارف الشرعية للأجيال الناشئة. كما أشار إلى أن مفهوم الأدب الأعجمي يتجاوز النصوص الأدبية إلى التربية والتهذيب والتعليم.
وبيّن برهان أن جهود الشقوبي تواصلت في المرحلة اللاحقة على يد تلميذه فتى أريبالو، الذي عاش في مملكة قشتالة (Castilla)، ضمن مرحلة الأندلسيين المتأخرين، الذين أطلقت عليهم السلطات القشتالية لقب الموريسكيين (Los Moriscos)، في سياق محاولات إخضاعهم ومحو هويتهم الإسلامية. وأكد أهمية اعتماد مفاهيم عربية نحو (الأندلسيين المتأخرين)؛ لارتباطه بهويتهم الأصلية، واتساقه مع البناء المفهومي واللغوي العربي، بدلًا من التسمية التي فرضتها السلطات القشتالية.
كما سلط الضوء على أساليب المقاومة الدينية السرية التي انتهجتها الأسر الأندلسية المتأخرة، عبر المحافظة على العقيدة والعبادات، ونقلها إلى الأبناء، وتدريبهم على كتمان معتقداتهم خشية الملاحقة. واستشهد بحالة الشريف ابن عبد الرفيع الحسيني المرسي، وبأسرته المنتمين إلى ذرية أهل البيت (عليهم السلام)، بوصفها أنموذجًا للتعليم الديني السري.
واستعرض كذلك فتوى الفقيه الشريف أحمد بن أبي جمعة الحسني الوهراني، الصادرة سنة 910هـ، التي أجازت الأخذ بالتقية في حالات الضرورة والإكراه لمواجهة الاضطهاد. وتناول أبرز أساليب التعذيب التي مارستها محاكم التفتيش، ومنها آلة الشد والتوتير والربط (Potro)، والتعذيب بالبكرة والتعليق (Garrucha)، فضلًا عن مصادرة الأموال وفرض الأشغال الشاقة، وصولًا إلى الإحراق العلني في ما عُرف بحفلات الإيمان (Auto de fe).
وفي محور آخر، تناول برهان حضور أهل البيت (عليهم السلام) في التراث الأندلسي المتأخر، عبر المخطوطات الأعجمية التي حفظت مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والسيدة فاطمة الزهراء، والإمامين الحسن والحسين (عليهم السلام). واستعرض مخطوط (وصية علي)، بما تتضمنه من تعاليم دينية واجتماعية تهدف إلى تهذيب الفرد والمجتمع، فضلًا عن كتاب (ملحمة المغازي الموريسكية)، التي تصوّر الغزوات النبوية وتجعل من الإمام علي (عليه السلام) بطلًا لها، مشيرًا إلى صلتها بأدب الفروسية والملاحم الأوروبية.
واختُتمت الحوارية بالتأكيد على أهمية التراث المدجّني والموريسكي في الكشف عن مظاهر الصمود الثقافي والديني للمسلمين في الأندلس، وضرورة العناية بالمخطوطات الأعجمية وتحقيقها ودراسة لغتها، بعد إتقان الإسبانية وتعلّم الأعجمية؛ لما تنطوي عليه من نصوص تكشف جوانب مهمة من تاريخ الأندلسيين المتأخرين وتجاربهم الدينية والثقافية في ظل الاضطهاد.

