نشر الدكتور صفاء عبد الله برهان، مقالًا صحفيا نقديًا بعنوان (الثنائيات الضدّية في قصيدة ساحة الأندلس) في جريدة الصباح، تناول قصيدة الشاعر أحمد عبد الحسين، مستجليًا مستوياتها الفكرية والنفسية والجمالية، عبر تتبع الثنائيات الضدية التي تنتظم مفاصل النص وتنهض بدلالاته.
وتناول المقال القصيدة، بوصفها تجربة شعرية مشحونة بالقلق والتوتر المعرفي، إذ تتخذ من التناقض بنيةً عميقة، تتشكل في داخلها رؤية الذات إلى نفسها وإلى محيطها، ولا سيما عبر تفاعل التاريخ واللغة والمكان. فأبرز أن الثنائيات الضدية لا تأتي في النص، بوصفها مجرد تقابلات لفظية، وإنما تنهض بوظيفة بنائية ودلالية، تكشف أزمة الذات وتحوّلات وعيها، وتمنح القصيدة خصوصيتها الفنية والفكرية.
وركز المقال على عدد من الثنائيات المحورية، في مقدمتها التناقض واليقين، والحضور والغياب، والذاكرة والنسيان، والحياة والموت، والنور والظلام، مبينًا أن هذه الثنائيات تتوالد وتتداخل، لتشكّل نسيجًا دلاليًا متماسكًا، يظهر حالة التوتر التي تحكم التجربة الشعرية، ويكشف انتقال الأزمة من مستواها الفردي إلى أبعادها الجمعية والوجودية.
كما توقّف المقال عند ثنائية الذاكرة والنسيان، وما تتيحه من استحضار للماضي في صلب الحاضر، عبر استدعاء الأب والأم والأخ، إلى جانب بابل وأوروك والأندلس، لتتداخل الذاكرة الشخصية مع الذاكرة الجمعية، ويتحول الحدث الفردي إلى علامة تتصل بتاريخ أوسع ووعي جمعي، يتجاوز حدود التجربة الخاصة.
وفي سياق آخر، عالجت القراءة ثنائية الحياة والموت، عبر منظومة من الصور والمفردات المتقابلة، وأبرز المقال كذلك جدلية النور والظلام، بوصفها تعبيرًا عن رؤية مركبة، لا تنظر إلى الأضداد بوصفها منفصلة، بل تكشف ما يحمله كل طرف من حضور الطرف الآخر.
وامتد المقال إلى ثنائية الاسم ونقيضه، التي تكشف أزمة الهوية واللغة، إذ لا تقتصر أزمة القصيدة على محاولة فهم الواقع، وإنما تمتد إلى اللغة ذاتها، وقدرتها على تسميته ومنحه معنى مستقرًا. كما رصد المقال حركة النص بين ثنائيات الفرد والجماعة، والحرية والقمع، والصمت والكلام، والماضي والحاضر، في مسار تتعاظم فيه الأسئلة، ويتسع نطاق الأزمة من الذات إلى الجماعة.
ويصل إلى ذروته عند ثنائية المكان والعدم، التي تتجمع فيها مختلف الثنائيات السابقة، لتفضي إلى رؤية الوجود، تجعل الوجود متصلًا بإحساس الزوال، وتمنح التناقض موقعًا جوهريًا في بنية القصيدة ووعي الذات الشاعرة. وخلص المقال إلى إسهام هذه التقابلات في تحصين الذات من الانهيار، وصولًا إلى مفهوم «حرية التناقض» الذي يمثل خلاصة التجربة الدلالية للنص.
ويأتي نشر المقال ليجسد حضور التدريسيين في كلية العلوم الإسلامية في المشهد الثقافي والنقدي العراقي، وإسهام الكفاءات الأكاديمية في رفد الصحافة الثقافية بقراءات نقدية، تفتح آفاقًا جديدة للتفاعل بين الدرس الأكاديمي، والحراك الثقافي في العراق.

Comments are disabled.