نشر أستاذ الأدب الأندلسي المساعد الدكتور صفاء عبد الله برهان بحثًا بعنوان «توافد شعراء المغرب والأندلس بين العدوتين 484هـ–870هـ»، في العدد 48 من مجلة إشراقات تنموية المحكمة، على الصفحات (1–46). وتناول البحث حركة توافد الشعراء بين المغرب والأندلس، وما أفضت إليه من تفاعل أدبي وثقافي أسهم في تعزيز الصلات بين العدوتين في أربعة قرون شهدت حكم دول ذات ظلال أمازيغية، هم المرابطون والموحدون والمرينيون.
وبيّن البحث ارتباط حركة التوافد بعوامل سياسية واجتماعية وأدبية أسهمت في انتقال الشعراء وتجاربهم بين البيئات الثقافية، وما تركته الرحلات من آثار في نتاجهم الشعري، سواء في تصوير الغربة والاغتراب والشكوى، أم في استحضار المكان الجديد وتمثّل خصوصيته الثقافية والاجتماعية.
وانتظم البحث في ثلاثة مباحث تناولت رحلات الشعراء، ودوافع انتقالهم، وآثار تلك الرحلات في المشهد الأدبي.
تناول المبحث الأول العصر المرابطي، وحصر عددًا من الشعراء الأندلسيين الذين قصدوا المغرب، من أبرزهم أبو جعفر الأعمى التطيلي (ت 525هـ)، وأبو بكر ابن بقي القرطبي (ت 540هـ)، وأبو بكر ابن سهل اليكي (ت 560هـ). وكشفت تجاربهم عن تنوع دوافع الوفادة وتجلياتها على الشعر، إذ حضرت معاني الغربة والشكوى، إلى جانب أثر البيئة الجديدة في التجربة الإبداعية.
أما المبحث الثاني، فعرض حركة التوافد في العصر الموحدي التي اتسعت مع ازدهار مراكش مركزًا سياسيًا وعلميًا وأدبيًا. ومن النماذج التي وقف عندها البحث أبو بكر ابن طفيل الأندلسي (ت 581هـ)، الذي وفد إلى مراكش واستقر فيها حتى وفاته، وأبو القاسم البلوي الإشبيلي (ت 657هـ)، فضلًا عن ابن سهل اليكي (ت560هج) الذي أدرك العهد الموحدي. وتبرز هذه النماذج اتساع التواصل بين النخب الأدبية وانتقال الشعراء بين المراكز الثقافية في العدوتين.
تناول المبحث الثالث العصرين المريني والنصري، فدرس أبا الحسن ابن رشيق المرسي (ت 696هـ)، الذي وفد على سبتة، حاضرة العزفيين، وأنشد في بيئتها الشعرية المحلية، كما تناول ابن الخطيب الغرناطي (ت 776هـ)، الذي دخل المغرب سنة 760هـ مرافقًا للسلطان الغني بالله، وأقام في فاس في كنف السلطان أبي سالم المريني، فغدت تجربته مثالًا بارزًا للتداخل الأدبي والثقافي بين غرناطة والمغرب. كذلك أشار البحث إلى الشريف السبتي (ت 760هـ)، وصلته بالمناسبات الغرناطية ومدحه الدولة النصرية.
وخلص البحث إلى أن انتقال الشعراء لم يكن مجرد حركة للأفراد، بل أسهم في تداول النصوص والأخبار والتجارب الشعرية، وتبادل التأثيرات بين البيئات الأدبية، فضلًا عن تسجيل جوانب من التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة.
ويأتي هذا العمل ضمن الجهود العلمية الرامية إلى تعميق دراسة الأدب الأندلسي وصلاته بالمغرب، وكشف مظاهر التفاعل بين العدوتين، وإبراز دور الشعراء في بناء جسور التواصل الثقافي والأدبي، بما يعزز حضور الدراسات الأندلسية والمغربية في البحث الأدبي والتاريخ الثقافي.

