استضافت إذاعة الفرقان بشبكة الإعلام العراقية، الدكتور صفاء عبد الله برهان، في حواريةبشأن “استشهاد الإمام علي زين العابدين عليه السلام”.
في البدء أكد برهان أجماع علماء المسلمين، على تعظيمه والإشادة بفضله، بما امتلكه من علم راسخ، وأخلاق سامية، وذكر منهم التابعيين سعيد بن المسيب(ت ٩٤هج)، وابن شهاب الزهري(ت١٢٤هج)، والفقيه مالك (ت١٧٩هج)، والكاتب ابن سعد (ت٢٣٠هج)، والمؤرخ الن جرير الطبري(ت٣١٠هج)، والفقيه ابن عبد البر القرطبي (ت ٤٦٣هج)، وختمها بقول الحافظ الذهبي(ت ٧٤٨هج): “كان له جلالة عجيبة، وحق له والله ذلك، فقد كان أهلا للإمامة العظمى، لشرفه، وسؤدده، وعلمه، وتألهه، وكمال عقله”.
وفي بيان امتداد فكره بالنهضة الحسينية، بين برهان “تصدي الإمام” لصناعة الوعي، وإعادة بناء الإنسان، عبر التربية والتعليم، مستشهدا بخطبته بالشام التي عرّف فيها بنفسه وبأهل البيت عليهم السلام، وخطبته بالكوفة التي أيقظت ضمير الحاضرين، لتكونا نقطة انطلاقة مشروع فكري طويل، حافظ على النهضة الحسينية.
وتناول برهان مدرسته العلمية، التي أسسها بعد عودته إلى المدينة المنورة، وقد درّست تفسير القرآن، ورواية الحديث، والفقه وأصوله، والتربية والأخلاق، وممن تخرج فيها، ولده الإمام محمد الباقر عليه السلام، وأبو حمزة الثمالي، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وأبو خالد الكابلي، كما روى عنه الزهري، وعدد من علماء المدينة المنورة.
وأشار إلى “تراثه المدون”، وهي (الصحيفة السجادية)، و (رسالة الحقوق)، مثلت الأولى مشروعا تربويا متكاملا، اشتملت معارف عقدية، وتوجيهات أخلاقية، ورؤى اجتماعية، عالجت قضايا التوحيد، والتوبة، ومكارم الأخلاق، والتكافل، والعدالة، وبناء الشخصية المؤمنة، فكشفت رؤية حضارية لإصلاح المجتمع، اعتمدت الدعاء وسيلة لبناء الضمير الفردي و الجمعي.
على حين تعد (رسالة الحقوق)، من أقدم الوثائق الإسلامية، التي أرست منظومة متكاملة للحقوق والواجبات، وقدمت رؤية أخلاقية متقدمة، تقوم على مبدأ التوازن بين الحقوق والمسؤوليات، وتؤسس لمجتمع يقوم على العدل والرحمة، واحترام كرامة الإنسان.
وتوقف برهان عند البعد الإنساني في “سيرة الإمام”، كمشروعه في عتق العبيد، الذي يعد برنامجا إصلاحيا متكاملا، إذ كان يشتريهم من أسواق الحجاز، ثم يتولى تعليمهم القرآن الكريم، وأحكام الدين، ومكارم الأخلاق، قبل أن يعتقهم في المناسبات الدينية، فأسهم في تحويل المحرَّرين إلى أفراد صالحين، ودعاة فاعلين، في مجتمعاتهم بأصقاع المعمورة، حين يعودون إليها.
كذلك تناول رعايته الفقراء، وإغاثته المحتاجين سرا، بحمله الطعام ليلا، حيث بيوت الأرامل والأيتام، وأصحاب الحاجة، من دون أن يعرفه أحد، ولم يبلغوا ذلك إلا بعد وفاته، حين انقطع عنهم ذلك العطاء، مبينا ظهور آثار حمل أكياس الطعام، على كتفيه أثناء تغسيله، في مشهد عمّق إخلاصه، وتجرده في خدمة الناس.
واختتم برهان حواره بالتأكيد أن “الإمام زين العابدين”، قدّم أنموذجا خالدا في الإصلاح الهادئ، والثورة الناعمة، وأثبت أن بناء البلدان، يبدأ ببناء الإنسان، وترسيخ العلم، وإحياء الضمير، وصناعة الوعي، وتعزيز قيم الرحمة والعدالة والتكافل، وهي مبادئ لما تزال تمثل حاجة ملحة للمجتمعات، في مواجهة تحديات العصر.

