استضافت قناة العراقية العامة، التدريسي في كلية العلوم الإسلامية، الدكتور صفاء عبد الله برهان، في حلقة خاصة بشأن (تأسيس الهوية التاريخية لكربلاء).
وذكر برهان أن الهوية التاريخية لكربلاء، لم تكن نتاج واقعة الطف، بوصفها حدثا عسكريا فحسب، بل تشكلت عبر مشروع حضاري، بدأ بعيد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، حين تحولت أرض الطف، بجهود العراقيين، من ساحة معركة إلى موضع ذاكرة، ومن ثم لتمسي حاضرة دينية وعلمية وثقافية عالمية.
وأوضح أن أجساد الشهداء الطاهرة، تُركت ثلاثة أيام في العراء، من دون أن توارى الثرى، وأن السيدة زينب عليها السلام، استشرفت دور العراقيين وقتذاك، في خطابها للإمام علي زين العابدين عليه السلام، بقولها: (إنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرجة، وينصبون بهذا الطف، علما لقبر أبيك سيد الشهداء، لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام)، مبينا أن هذا إعلانا مبكرا، عن ولادة الهوية التاريخية لكربلاء، بما يكشف رؤية استشرافية لبقاء “قبر الحسين”، حاضرا في وجدان المسلمين. وأن هذه الرؤية تكتمل بقولها في موضع آخر: (فلا يزداد إلا ظهورا، وأمره إلا علوا)، وهو ما تجسد في تعاظم مكانة كربلاء، واتساع عمرانها، وحركة زيارتها، الأمر الذي يؤكد أن هويتها، لم تكن هوية مكان فحسب، بل هوية رسالة وقيم، بقيت حية في ضمير الأمة.
وأشار برهان إلى أن أول تجلٍ عملي لهذه الهوية، تمثل في موقف “قبيلة بني أسد” ، التي تولت بإرشاد الإمام زين العابدين عليه السلام، تشخيص أجساد الشهداء، ودفنها في مواضعها المعروفة اليوم، وهو ما مثّل اللبنة الأولى في تثبيت معالم الواقعة، وصيانة ذاكرتها من الاندثار، لتبدأ بذلك عملية التأسيس التاريخي لكربلاء.
وبيّن أن العراقيين، واصلوا هذا المشروع الحضاري في المراحل اللاحقة، فشُيّد أول بناء على “ضريح الحسين”، في عهد المختار الثقفي سنة (66هـ)، ثم تعاقبت جهود إعمار المدينة، وحماية مراقدها، وتأمين طرق الزائرين، حتى غدت كربلاء مركزا يستقطب ملايين الزائرين.
كما أكد أن “ضريح الحسين”، لم يكن مزارا دينيا فحسب، بل تحول منذ القرن الأول الهجري، إلى رمز تستلهم منه حركات الإصلاح مبادئها وقيمها. فكانت “حركة التوابين”، أول تعبير عن هذا الوعي، أعقبتها “ثورة المختار”، ثم ثورة “زيد الشهيد”، كما بقيت الثورة الحسينية، مصدر إلهام لعدد من الحركات الإصلاحية، لترسّخ “كربلاء الحسين” محجا للأحرار، ومنارة للمقاومة، وأيقونة للكرامة.
وفي ختام الحوار، أكد برهان أن الهوية التاريخية لكربلاء، لم تُبنَ بحدث واحد، وإنما هي ثمرة مسار حضاري متواصل، امتد طيلة أربعة عشر قرنا، شارك العراقيون في صنعه، عبر حفظ قبور الشهداء، وتثبيت معالم الواقعة، وإعمار المدينة، وصيانة الذاكرة، حتى أصبحت كربلاء عاصمة روحية ورمزا حضاريا عالميا، يجسد “رسالة الحسين”، ويؤكد أن القيم التي استشهد من أجلها، بقيت حاضرة في ضمير الشعوب، تستلهم منها معاني الإصلاح والحرية، ومقاومة الظلم عبر الأجيال.

