استضافت قناة النجباء، الدكتور صفاء عبد الله برهان في حوارية بعنوان (الإمام زين العابدين.. شاهد كربلاء، وحامل رسالة الحسين)، تناولت مواقفه، ولاسيما خطبته في قصر الشام، بوصفها مشروعًا معرفيًا متكاملًا، اعتمد البيان القرآني، والحجاج العقلي، والحقائق التاريخية؛ لإقامة الحجة الشرعية والإنسانية، وكشف حقيقة ما جرى في كربلاء، وإعادة بناء وعي الأمة على أساس الحق والعدل.
وبيّن برهان أن الخطبة، استهلت بذكر “اصطفاء أهل البيت”، حين أُعطوا العلم، والحلم، والسماحة، والفصاحة، والشجاعة، والمحبة، ثم ذكرت تفضيلهم “بالنبي المختار، وبعلي الكرار، وبجعفر الطيار، وبحمزة سيد الشهداء، وبفاطمة الزهراء، وبسبطي خير البشر، وبالمهدي المنتظر”، صلوات الله تعالى عليهم أجمعين.
وأن هذا الاستهلال، لم يكن مجرد تعدادٍ للفضائل، وإنما تأسيسٌ لمشروعية المرجعية العلمية والروحية للبيت النبوي، وربط بين اصطفائهم الإلهي، وبين مسؤوليتهم في الدفاع عن الرسالة، وصيانة الدين من التحريف، بما يهيئ المتلقي لتلقي بقية الخطبة على أساس معرفي راسخ.
بعدها أوضح انتقال الخطبة، إلى بيان “هوية الإمام”، بقوله: (من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي)، ثم شرع في التعريف بنفسه، ليس تفاخرًا بنسبه، بل تعريف أهل الشام بمكانته، بعد أن حالت دعاية السلطة، دون معرفتهم به وبأهل بيته الأسرى، وقد ربطت الخطبة، “ذات الإمام” بأقدس الأمكنة، وأطهر الشخصيات، بقوله: (أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الرداء، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى)، ليؤكد أنه من أسرة، نشأت في مهد الرسالة الخالدة، وأن جذورها ممتدة في أقدس معالم الإسلام، بما يجعل دورها امتدادًا لرسالة جدهم، صلى الله عليه وآله، واستمرت الخطبة في بناء “الهوية الرسالية”، مستحضرة هذه المرة معجزات النبوة ومقاماتها، بقوله: (أنا ابن من حُمل على البراق في الهواء، أنا ابن من أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أنا ابن من بلغ به جبرئيل إلى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلّى، فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلى بملائكة السماء مثنى، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن محمد المصطفى).
وأوضح برهان أن الخطبة، لم تورد هذه المقاطع بقصد الاستذكار التاريخي، وإنما ليقيم برهانًا عقليًا وعقديًا، على أن أهل البيت عليهم السلام، هم الامتداد الطبيعي للرسالة المحمدية، وأن صلتهم ليست نسبًا نبويا مجردًا، بل امتدادٌ له في الهداية، وحملٌ لأمانة الدين، وحفظٌ لمقاصده الكبرى. وأضاف أن الخطبة انتقلت من الحديث عن الأماكن المقدسة، إلى الحديث عن المعجزات النبوية؛ ليُنشئ في ذهن المتلقي تسلسلًا منطقيًا، يربط بين الرسالة وصاحبها، ثم بين صاحب الرسالة وأهل بيته، صلوات الله تعالى عليهم
بعدها تحولت الخطبة، نحو مآثر أمير المؤمنين علي عليه السلام، لتؤكد منزلته العظمة في الإسلام، بقوله: (أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله بسيفين، وطعن برمحين، وهاجر الهجرتين، وبايع البيعتين، وقاتل ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين)، مؤكدة أن تلك المنزلة السامية، تأسست على الإيمان والتضحية، والدفاع عن الإسلام، وعليه رددت القول: (أنا ابن صالح المؤمنين، ووارث النبيين، وقامع الملحدين، ويعسوب المسلمين، ونور المجاهدين، ولسان حكمة العابدين، وناصر دين الله، وولي أمر الله، وعيبة علمه)، وبهذه التعابير شخصت المنزلة العلوية، القائمة على العلم والحكمة والاصطفاء الإلهي، كما أبرزت القيادة التي تقوم على الكفاءة الإيمانية والعلمية، والجهاد في سبيل الحق، لا على السلطة والقوة المجردة، وهو ما أرادت الخطبة ترسيخه في الوعي الجمعي، وهي تواجه خطاب السلطة المتغلبة يومذاك.
وأضاف أن الخطبة، رسمت الامتداد الأسري للنبوة، وهو إعلان هزّ وجدان الحاضرين، وأعاد تعريف أولئك “الأسرى” بأنهم “أبناء النبي” الذين أوصى بهم، عندما تعرضت إلى حقيقة ما جرى على “سبط الرسول”، بالقول: (أنا ابن المقتول ظلمًا، أنا ابن المجزوز الرأس من القفا، أنا ابن العطشان حتى قضى، أنا ابن طريح كربلاء، أنا ابن مسلوب العمامة والرداء، أنا ابن من رأسه على السنان يُهدى، أنا ابن من حمل حرمه من العراق إلى الشام تُسبى). وهذه لم تكن استذكارًا للمظلومية وحسب، بل كانت خطابًا واعيًا، يهدف إلى إعادة بناء وعي الأمة على أساس الحقيقة؛ فتوصيف (المقتول ظلمًا)، ينفي أن تكون القضية صراعًا سياسيًا، ويؤكد أنها مواجهة بين العدل والظلم، وأن عطش “سبط الرسول”، وسلبه، وقطع رأسه، وأسر أسرته، تمثل إدانة صريحة، لتجاوز السلطة القيم الإنسانية والدينية.
واختتم برهان حواره بأن الخطبة، اتخذت استراتيجية إقناعية متقنة، تمثلت في تكرار عبارة (أنا ابن…)، قبل كل توصيف، وأنه لم يكن تكرارًا بلاغيًا فحسب، بل بناءً تدريجيًا للحجة، انتقل من التعريف بالنسب إلى إثبات الحق، حتى أدرك الحاضرون، أن من يقف بينهم هو حفيد الرسول، صلى الله عليه وآله، الأمر الذي أسهم في تغيير نظرتهم إلى أحداث كربلاء، وكشف حقيقة الثورة الحسينية، بوصفها مشروعًا لإحياء قيم الإسلام والدفاع عن كرامة الإنسان

Comments are disabled.