ألقى الدكتور صفاء عبد الله برهان محاضرةً ثقافية حملت عنوان (رثاء الإمام الحسين عليه السلام في الأندلس)، في جامع وحسينية ومدرسة المحبة بمنطقة السيدية، تناولت نشأته، وتطوره، وما مثله من حضور متفرد، ازدان بقرائح شعراء أهل السنة الكرام، من أبناء المذهب المالكي_ السائد في الأندلس وشمال أفريقيا_ حين شدت بذكرى”سبط الرسول”، فجمع ذلك الحضور العلماء والأدباء والأعيان، ليعبّروا عنه بأصدق صور الأدب، وأرقى معاني الوفاء.
واستهل ببواكير المراثي الحسينية، التي انبعثت نهاية العصر المرابطي، من قريحة الوزير ابن الخصال الشقوري (ت 540هـ)، فمثّل مشروعًا شعريًا دينيًا، يقوم على ترسيخ الهوية الإسلامية، وإشهار الولاء ل”سبط الرسول”، وجاءت متآخية مع المدحة النبوية التي بعثها، هي الأخرى، هناك، وأنه اقتصر آخر عمره عليهما، ونال الكرامة على ذلك، كما ذكر د. عبد السلام الهراس: (كان العلماء والأدباء يقصدون قبره، ويزورونه، ويحيونه بقولهم: السلام عليك يا زين الإسلام، وقد أهله لذلك أدبه النبوي، وشعره في بكاء الحسن والحسين). ويكشف هذا الاقتران بين المدائح النبوية والمراثي الحسينية، وحدةَ المرجعية الروحية فيهما، ووسيلة لترسيخ القيم الإسلامية، وربط الأجيال بسيرة النبي وأهل بيته، عليهم الصلاة والسلام.
وانتقل برهان إلى المراثي الأندلسية في العصر الموحدي، واصفًا إياها بالمرحلة الذهبية، وذاكرًا شعراءها، ومنهم ابن شرقيق الرعيني (ت 571هـ)، فبيّن ما أورده ابن دحية الكلبي من أن الرعيني: (اقتصر أخرًا على تقريظ سيدنا أبي عبد الله الحسين عليه السلام، ووصف مآثره، ونظم جوهر مفاخره، راغبًا في شفاعة جده، سيد ولد آدم، صلى الله عليه، وعلى آله من بعده)، وعقّب بتحقق تلك الشفاعة والمنزلة، مستدلًا بما رواه فقيه سبتة أبو عبد الله بن عان، بقوله: (رأيت رسول الله، صلى الله عليه وآله، فقال لي: بشر عبد الله بن شرقيق بالجنة). وهو ما أظهر مكانة الرثاء الحسيني، في الوجدان الأندلسي، حتى غدا هذا اللون الشعري ميدانًا للتنافس الأدبي، والتقرب إلى الله تعالى.
بعدها ذكر أبرز شاعر حسيني، وهو صفوان بن إدريس (ت 598هـ)، الذي تفرد بمراثيه الحسينية، حين قصد مراكش، أيام السلطان يعقوب المنصور، ذكر ابن الخطيب الغرناطي (ت 776هج) : (اذا السلطان ليلتئذ، قد رأى رسول الله، صلى الله عليه وآله، يعاتبه، ويقول: صفوان بن ادريس، المشغوا بخدمتنا، والتفجع لولدنا، على البعد، وطول العهد ببابك، قد غفل عنه، ما هذا حقه. ابعث الساعة عنه، ويسر حاجته، فقد تعين حقه، وخرج دامع العين، خجلا من رسول الله، صلى الله عليه وآله، فتيسر مطلب صفوان).
وقرّر برهان أن ما حفظته المصادر من أخبار صفوان، يدل على الأثر العميق الذي أحدثته حسينياته في المجتمع الأندلسي، حتى أصبحت تجربته، مرجعًا لمن جاء بعده، لصدق العاطفة، وجودة السبك، وعمق الأفكار، فأصبح ملهمًا للشعراء، فقد تأثر به ابن شَكيل الشريشي (ت 609هـ)، فوجد في حزنه على “سبط الرسول”، خير تعبير عن محنة الأندلس، وهو ما يربطه بالمراثي الأندلسية الكبرى، الصادحة بولاء آل البيت عليهم السلام، كما ذكرت د. حياة قارة: (تأتي حسينيات ابن شكيل، في هذا السياق الذي يبحث لنفسه، عن طريق يعبّر فيها عن حبّه وتشيعه لآل البيت، فجاءت قصيدته، مستلهمة روح العصر، منسجمة مع هذا الجو السائد العام). ويبرز هذا الاتجاه، تحول كربلاء في الشعر الأندلسي، إلى رمز للصبر والثبات، ومواجهة المحن.
وتوقف برهان عند الشعائر الحسينية، التي كانت تقام بالأندلس عصر ذاك، بما كشف وجدانًا شعبيًا ورسميًا عارمًا، مواليا ل “سبط الرسول”، بما أشار إليه ابن الخطيب الغرناطي: (لم يزل الحزن متصلًا على الحسين، والمآتم قائمة في البلاد، يجتمع لها الناس، ويحتفلون لذلك ليلة يوم قتل فيه، بعد الأمان من نكير دولة قتلته، ولا سيما شرق الأندلس، فكانوا، على ما حدثنا به شيوخنا من أهل المشرق ــ أي شرق الأندلس ــ، يقيمون رسم الجنازة حتى في شك من الثياب، يستجنى خلف سترة في بعض البيت، ويحتفل بالأطعمة، ويجلب القراء المحسنون، ويوقد البخور، ويتغنى بالمراثي الحسينية). وأشار إلى أن هذه الشهادة التاريخية، تؤكد أن إحياء استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، لم يكن مقصورًا على الشعر، بل امتد إلى الممارسات الاجتماعية والثقافية، بما يعلن حضور القضية الحسينية في الحياة العامة للأندلسيين.
وتناول برهان عصر بني الأحمر بغرناطة، فذكر أبا الطيب الرندي (ت 684هـ)، الذي أبدى تأثره الواضح بمنهج صفوان، بحسب قوله: (قد ألمعتُ بطريقة صفوان رحمه الله في رثائه عليه السلام جملةً حدوتُ فيها حدوه، فبلغتُ شأوه، وما هو في المعنى أغرب، وإلى المحال أنسب، وذلك أني صنعتُ مخُمسةً على حروف المعجم متتاليةً بإعجاز من قصيدة زهير). ويكشف هذا التصريح استمرار المدرسة الشعرية الحسينية الأندلسية، وانتقال تجربتها من جيل إلى آخر، كشفت ذلك الأمير ابن الأحمر (ت 808هـ)، بقوله: (طلبت من شيخنا منديل هذا أن يبعث لي بشعر أبي بحر صفوان بن إدريس في رثاء الحسين بن علي عليهما السلام).
وكان السلطان يوسف بن الأحمر (ت 820هـ)، خاتمة شعراء الأندلس، ونقلت مرثيته المأساة في لغة محكمة، حين رمق كربلاء بشوق عميق؛ فوجدها مصدر الصمود في مملكته المحاصرة، كحال محاصرة الإمام الحسين عليه السلام، فخص قبره الشريف، بقوله:
وَقُولًا غَرِيبًا عَدَتْهُ الذُّنُوبُ
فَأَهْدَى هَوَاهُ لِقَبْرِ الْحُسَيْنِ
وختم برهان محاضرته بالتأكيد، أن المراثي الحسينية الأندلسية، تمثل وثيقة أدبية وتاريخية، أسهمت في تشكيل هوية شعرية متميزة، جمعت بين الإبداع الفني والالتزام القيمي، فصيرت ذكرى كربلاء، مصدرًا دائمًا للإلهام، ورمزًا للثبات والعدل والكرامة، بما ضمن حضورها، وأن الأندلس شاهدة على وحدة الوجدان نحو “سبط الرسول”، واستلهام سيرته في الأدب والفكر والقيم؛ ليبقى هذا التراث، شاهدًا على أنه كان وسيظل رمزًا جامعًا للأمة الإسلامية.

