ضيفت قناة العهد الفضائية، الدكتور صفاء عبد الله برهان، في حوارية بشأن خلود الزيارة الاربعينية، وتجدد مشهدها المليوني سنويا، وتزايده عاما بعد آخر، حتى من أكبر التجمعات السلمية، التي عرفتها البشرية منذ نشوئها حتى الآن.
برهان أوضح أن سر بقاء الزيارة الأربعينية، واستمرارها بهذا الزخم الكوني، لا يكمن في ضخامة أعداد المشاركين فيها فحسب، وإنما في قدرتها الفريدة على تجديد ذاتها، وإعادة إنتاج منظومتها القيمية سنويا، حتى أصبحت واحدة من أكثر الظواهر الحضارية استمرارية، وأنموذجا حيا لانتقال أدبياتها من جيل إلى آخر.
وبين برهان أن الزيارة، تجاوزت مفهوم المناسبة السنوية، لتتحول إلى ظاهرة متجددة، تمتلك من المقومات الذاتية، ما يجعلها قادرة على الحفاظ على حيويتها واتساعها مع تعاقب الدهور.
وأوضح أن ديمومة الزيارة الأربعينية، ترتبط بقدرتها على إنتاج الإنسان، قبل إنتاج الحدث، فهي لا تستدعي الذاكرة التاريخية، بوصفها ماضيا يُستذكر، بل تجعلها حاضرا، يُمارس في السلوك اليومي، إذ تتحول قيم الإمام الحسين عليه السلام، إلى ممارسة عملية شاخصة، تتجسد في العدل والكرامة والإيثار والكرم والعمل التطوعي والتكافل والتضامن، وغيرها، وهي قيم تتكرر سنويا بصورة تلقائية، ما يمنح الظاهرة قابلية الاستمرار، وتجدد زخمها الروحي والمادي.
وأضاف أن الزيارة الأربعينية، تقدم مثالا واضحا، على أن الظواهر الكبرى، لا تستمر بقوة العاطفة وحدها، وإنما عندما تنجح في بناء منظومة اجتماعية، قادرة على إعادة إنتاج نفسها؛ إذ في كل عام يدخل آلاف الأطفال والشباب إلى فضاء الخدمة الحسينية، ويتعلمون بالمشاهدة والمشاركة، معنى المسؤولية والعطاء، ثم يتحولون في الأعوام اللاحقة إلى صناع لهذه التجربة، وناقلين لها إلى الأجيال التي تليهم، وبذلك تتجدد الزيارة من داخلها، من دون أن تفقد هويتها أو رسالتها.
وأشار إلى أن هذه الحقيقة تتناغم مع ما عرضه عالم الاجتماع الفرنسي (بيير بورديو) في نظرية “إعادة الإنتاج الاجتماعي”، التي تفسر استمرار الظواهر الاجتماعية، عبر انتقال القيم والعادات، وأنماط التفكير بين الأجيال. وهو ما نجده في الأسرة والمجتمع والمواكب الحسينية، حين تؤدي دورا متكاملا، في ترسيخ منظومة أخلاقية، تتحول مع الزمن إلى جزء من تكوين الفرد والجماعة.
وبيّن أن المواكب الحسينية، تمثل ركيزة أساسية في ديمومة الزيارة، لأنها ليست مجرد أماكن لتقديم الخدمات، بل مؤسسات مجتمعية، تعيد سنويا إنتاج ثقافة التطوع والتكافل والثقة المتبادلة. وبذا تتكون شبكات اجتماعية واسعة، تقوم على التعاون والإحساس بالمسؤولية، فتتحول الخدمة إلى ثقافة، والثقافة إلى سلوك متوارث، يحافظ على استمرارية هذه الظاهرة الحضارية.
وأضاف أن اتساع المشاركة الدولية في الزيارة الأربعينية، يظهر نجاحها في تحقيق حضور عالمي متجدد، تجاوز الحدود الجغرافية، إذ لم تعد الزيارة محصورة في المجتمع العراقي، بل أصبحت تستقطب ملايين الزائرين من مختلف القارات، فضلا عن انتشار المواكب والهيئات الخدمية في دول كثيرة، تحاكي مناخات الزيارة في العراق، بما يؤكد أن الرسالة الحسينية، تمتلك القدرة على التجدد والانتشار، لأنها تستند إلى منظومة من القيم الإنسانية المشتركة.
وأوضح أن استمرارية الزيارة، ليست استمرارية عددية فحسب، بل استمرارية في إنتاج المعنى، فالذاكرة الحسينية لا تُحفظ بالنصوص والخطب وحسب، وإنما تُحفظ بالممارسة اليومية التي يعيشها الملايين على طريق كربلاء، حيث تتحول الأخلاق إلى واقع معاش، ويتحول التكافل إلى سلوك اجتماعي، ويتحول الانتماء إلى مسؤولية عملية تجاه الآخر.
واستشهد برهان بما أورده المفكر الألماني (هانز فريدريك) في كتابه “ملحمة كربلاء في الضمير الإنساني”، الذي يرى أن كثيرا من الحضارات والملوك، امتلكوا القوة والثروة، لكنهم غابوا عن ذاكرة التاريخ، على حين بقيت كربلاء حاضرة، لأنها أسست مشروعها على القيم الإنسانية الخالدة، لا على السلطة المادية، ولذلك بقيت رسالتها تتجدد مع كل جيل، وتستقطب مزيدا من المؤمنين بها.
واختتم برهان حديثه بالتأكيد: أن الزيارة الأربعينية، تقدم اليوم درسا حضاريا في معنى الاستمرارية، فهي ظاهرة لا تعيش على أمجاد الماضي وحسب، بل تصنع مستقبلها في كل عام عبر إعادة إنتاج الوعي، وتجديد منظومة القيم، وبناء الإنسان القادر على حمل رسالة الإمام الحسين عليه السلام إلى الأجيال المقبلة، مؤكدا أن سر ديمومتها، يكمن في تصييرها المبادئ الأخلاقية، ثقافةً مجتمعية متوارثة، ومن الذاكرة مشروعا حضاريا متجددا، لا تحده حدود الزمان أو المكان.

Comments are disabled.