أجرت قناة الجزيرة الوثائقية، حوارًا مع الدكتور صفاء عبد الله برهان، بشأن الحضارة الإسلامية في الأندلس، شمل المرحلة المرابطية، والمرحلة الموحدية، وذُيّل بالمرور بمرحلة المدجّنين، والموريسكيين، وبيان التحولات التي شهدتها الأندلس، وتجلياتها في مسار الوجود الإسلامي.
شرع برهان بذكر انقسام النظام السياسي أيام الطوائف، الذي أضعفهم أمام ممالك الشمال، وهي قشتالة (Castilla)، وأراغون (Aragón)، ونافرا (Navarra)، وليون (León)، فاستغاثت الأندلس بالأمير يوسف بن تاشفين. ولم يكن تدخله تحركًا عسكريًا عابرًا، وإنما إعادة تنظيم للأندلس، ومواجهة للتوسع الشمالي، بعد سقوط طليطلة (Toledo).
وتوقف برهان عند معركة الزلاقة سنة 479هـ، التي هُزم فيها ألفونسو السادس هزيمة نكراء، امتدت آثارها إلى المجالين السياسي والنفسي؛ إذ أسهمت في إيقاف التوسع الشمالي، وإعادة قدر من المبادرة إلى المسلمين. كما تناول موقف الأمير يوسف من ملوك الطوائف، والتحول من التدخل لمواجهة الخطر الخارجي إلى إنهاء الانقسام السياسي، وضم معظم إمارات الطوائف إلى الدولة المرابطية، ليبدأ حكمه هناك سنة 484هـ. فقاد المواجهة مع ممالك الشمال، حتى تراجع خلفاؤه المرابطون، بالتزامن مع صعود الحركة الموحدية في المغرب.
وفي هذا الشأن، استعرض برهان نشأة الموحدين على يد المهدي بن تومرت، وتحول الحركة إلى دولة قوية في عهد عبد المؤمن بن علي، وامتداد نفوذها إلى الأندلس سنة 541هـ.
وحظيت معركة الأرك سنة 591هـ بمساحة مهمة من الحوار، بوصفها إحدى أبرز لحظات القوة العسكرية الموحدية، حين حقق يعقوب المنصور انتصارًا كبيرًا على قشتالة. لكن ذلك لم يدم طويلًا؛ فكانت الهزيمة في معركة العقاب سنة 609هـ نقطة تحول في تاريخ الأندلس، لما ترتب عليها من اختلال في ميزان القوى، وتسارع سقوط عدد من مدنها في معارك الاسترداد (Reconquista).
ومع انحسار الحكم الإسلامي، انتقل الحوار إلى مرحلة المدجّنين (Mudéjares)، وهم المسلمون الذين بقوا في مناطقهم تحت حكم ممالك الشمال، وحافظوا على الدين واللغة والعادات والثقافة، مؤكدًا أن سقوط السلطة السياسية لم يعنِ اختفاء المجتمع الإسلامي، وإنما أدى إلى تغير موقعه داخل الواقع السياسي والاجتماعي الجديد.
وقد تناول الحوار نشوء الأعجمية (Aljamiado)، وأثرها في المحافظة على جانب من تراثهم الديني والثقافي، في ظل تراجع استعمال العربية والضغوط اللغوية والثقافية. فاستُخدمت الحروف العربية في تدوين نصوص باللغة الرومانثية (Romance)، بنحو علني، وشملت موضوعات دينية وأدبية وتعليمية، لتتحول هذه الكتابات إلى وسيلة لحفظ الذاكرة والهوية. مؤكدًا عدم معرفة المؤرخين مكتشفها، ولكنهم بيّنوا أن متعهدها هو الفقيه عيسى بن جابر الشقوبي.
وأوضح برهان أن هذا التراث، امتد من المدجّنين إلى الموريسكيين (Moriscos)، الذين واصلوا إنتاج النصوص الأعجمية واستخدامها في حفظ موروثهم، بنحو سري، بعد تسليم غرناطة سنة 1492م، وتصاعد سياسات التنصير القسري (Christianization)، وضغوط محاكم التفتيش (Inquisition)، وقوانين الغالب الرامية إلى طمس مظاهر الهوية الإسلامية.
وناقش الحوار انتقال الصراع تدريجيًا من السلطة والأرض إلى الدين والهوية واللغة والذاكرة والتراث، لتصبح المخطوطات والنصوص الموريسكية شاهدًا على استمرار الذاكرة الإسلامية بعد زوال الحكم السياسي الإسلامي.
والجدير ذكره أن الحوار جرى مع أساتذة متخصصين من العراق ومصر وتونس والجزائر والمغرب وإسبانيا، بما أتاح تنوعًا في الرؤى الأكاديمية، وقراءة التجربة الأندلسية من زوايا تاريخية وحضارية متعددة، وتقديم قراءة مترابطة لمسار الأندلس في الحفاظ على الهوية واللغة والذاكرة والتراث، بوصفه أحد أهم أشكال الحضور الأندلسي.

