نشر أستاذ الأدب الأندلسي المساعد صفاء عبد الله برهان، ورقة بحثية بعنوان «من أدب الوصايا النبوية عند الأندلسيين المتأخرين»، في الصفحات 28-34، من مجلة «أوراق مجمعية»، العدد 2، السنة 11، أيلول 2026م.
وتناول برهان وصية نبويّة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام، محفوظة ضمن مخطوط يحمل الرقم 1874 في مكتبة الإسكوريال بمدريد، واعتمد نصها الوارد في الأطروحة الموسومة «وصية علي من مخطوطة أعجمية رقم (614) في المكتبة الوطنية الجزائرية: دراسة وتحقيق»، للدكتورة كريمة بوراس، الصفحات 304–309.
وتبرز أهمية الورقة في جمعها بين المادة الحديثية، وقراءتها ضمن سياقها الأندلسي؛ بوصفها نصًا يجمع التوجيه الأخلاقي والتعبدي والاجتماعي، ويكشف حضورها في تراث الأندلسيين المتأخرين المعروفين تاريخيا بالموريسكيين، في ظل الظروف منذ تسليم غرناطة سنة 1492م حتى الجلاء النهائي سنة 1609م. وأشار برهان إلى عنايتهم بالوصايا وتعاهد مضامينها، بما جعلها وسيلة للمحافظة على القيم الدينية والاجتماعية.
برهان صنّف مضامين الوصية وخرّج مادتها، فبوّبها في تسعة مضامين، بعناوين دالة. بدأ بـ«علامات النفاق ومعالجة تبعاته»، فتناول الكذب وإخلاف الوعد والخيانة والنميمة وآثارها الأخلاقية، ثم بحث «دوام الذكر والتحلي بالصبر»، متناولًا الذكر والطهارة والصبر، والعبادات المعززة للصّلة بالله تعالى.
وتناول «التحصن بقيام الليل وبالنوافل»، وما يرتبط بهما من فضائل وأجر، مع الوقوف على إضافات في صياغة الوصية. وأكد في «العلم أساس لصحة العبادات» أهمية العلماء والمتعلمين، وخطورة العبادة القائمة على الجهل. وجمع «الآداب الاجتماعية والآفات الخلقية» بين إطعام الطعام وإفشاء السلام، وصلة الرحم، وإكرام الضيف، ورعاية حقوق الجار، والتحذير من الحسد والنميمة، والنظر المحرم. وتوقف في «المسؤولية التضامنية والكبائر المحرمة» عند مسؤولية الإنسان تجاه مجتمعه، والنهي عن المنكر، وبيان الكبائر، مع إضافات أندلسية لاحقة. وركّز «رعاية الضعفاء والستر الاجتماعي» على كبار السن والأطفال والغرباء والأرامل والفقراء، وستر العيوب، ومواجهة التعلق بالدنيا. وبحث «آداب النكاح وتحصين المواليد» في الزواج والدعاء والمواليد والأذان والإقامة، والتحذير من الزنا. وتناول «بركات القرآن والسنن الصحية» فضائل سور، ولا سيما الإخلاص ويس، إلى جانب الملح والسواك وزيت الزيتون والحجامة، وآدابها وأوقاتها.
وفي تخريج مادة الوصية، اعتمد برهان كتب الحديث والتراث، بحسب أبوابها، وهي «صحيح البخاري» لأبي عبد الله البخاري (ت 256هـ)، و«صحيح مسلم» لأبي الحسين مسلم النيسابوري (ت 261هـ)، و«الجامع الكبير» لأبي عبد الله الترمذي (ت 279هـ)، و«الكافي» لأبي جعفر الكليني (ت 329هـ)، و«المستدرك على الصحيحين» لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري (ت 405هـ)، و«تحف العقول عن آل الرسول» لأبي محمد الحراني، (القرن الرابع الهجري)، و«وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة» لأبي جعفر الحر العاملي (ت 1104هـ)، و«بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار» لأبي جعفر المجلسي (ت 1111هـ).
وخلصت الورقة إلى أن الوصية، تقدم مادة تجمع المرجعيات الحديثية والتوجيهات الأخلاقية، مع حضور إضافات وصياغات، ارتبطت بالبيئة الأندلسية المتأخرة، ما يجعلها نصًا جديرًا بالقراءة في سياق أدب الوصايا ووظيفته الدينية.
ويأتي هذا العمل امتدادًا لجهد برهان، في دراسة التراث الأندلسي المتأخر؛ فهو الدراسة الثانية لهذه الوصية، بعد مقاله «قراءة سردية في وصية موريسكية من أدب الوصايا النبوية»، الذي نشرته جريدة «الصباح» في 24/8/2026، بما يظهر تنوع مقارباته للنص الأندلسي، وصلته بالمخطوط والحديث، وحرصه على إبراز نصوص أندلسية جديرة بالبحث.

Comments are disabled.