نشر التدريسي في كلية العلوم الإسلامية، الدكتور صفاء عبد الله برهان، مقالا فكريا بعنوان (جيوسياسية العراق في فكر الإمام الحسين عليه السلام)، في صحيفة الصباح، هذا اليوم الخميس 9/7/2026، تناول فيه أبعاد اختيار الإمام الحسين عليه السلام، أرض العراق، منطلقًا لمشروعه الإصلاحي، مستعرضًا رؤية حسينية، تتجاوز المفهوم التقليدي للجيوسياسية (الأثر السياسي للجغرافية)، إلى فضاء أرحب، يجمع بين القيم الأخلاقية، ومتطلبات التغيير، والوعي الحضاري، بما يمتلكه من مقومات بشرية وسياسية، وهو ما يظهر رؤية استراتيجية عميقة، تأسست على فهم طبيعة حضارته العتيدة، ومكانته في العالم الإسلامي، ولاسيما بعد أن أمسى مركزًا للقرار السياسي، منذ انتقال الخلافة إليه في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام.
ويؤكد برهان أن الفكر الحسيني، قدّم في نهضته، مفهومًا متقدمًا للجيوسياسية، يختلف عن المفاهيم السائدة، التي تقيس أهمية البلدان، بحسب طبيعة حدودها، أو كثرة ثرواتها، أو تفوقها العسكري، لذا أرسى مفهوما ربط بين المكان والإنسان، وجعل من العدالة والشرعية والوعي، الأساس الحقيقي لقيمة الأرض، فعرض جيوسياسية أخلاقية، جعلت المكان أداةً لبناء الإنسان، وإقامة العدل.
وذكر برهان أن الوعي الحسيني، تعامل مع الرسائل الوافدة من العراق، بوصفها مؤشراتٍ سياسيةٍ، تستوجب التحقق الميداني. ومن هنا جاءت مهمة سفيره وثقته سيدنا مسلم بن عقيل عليه السلام؛ لاستطلاع الأوضاع، وقياس حجم التأييد، وتقييم القوى، وهي خطوة تمثل أنموذجًا مبكرًا للتخطيط الاستراتيجي، القائم على جمع المعلومات، وتحليل الواقع قبل اتخاذ القرار.
كذلك بيّن برهان أن المنظور الحسيني، كان يؤمن بأن قيمة المكان، تُستمد من وعي أبنائه، واستعدادهم للتضحية من أجل المبادئ، وهكذا شكل العراقيون العمود الفقري لنهضته، وفي مقدمتهم الصحابة الأجلاء حبيب بن مظاهر الأسدي، ومسلم بن عوسجة، والتابعين الأجلاء برير بن خضير، وعابس بن أبي شبيب الشاكري، وأبو ثمامة الصائدي، رضوان الله تعالى عليهم، الذين قدموا صورة للنخبة الواعية، في ترسيخ المبادئ والقيم.
كما تناول برهان أثر استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، في الجيوسياسية العراقية، وترسخه الثوري في الوعي العراقي، حيث انطلاق حركتي “التوابين” و”المختار الثقفي”، اللتان مثلتا امتدادًا سياسيًا واجتماعيًا للمشروع الحسيني، كما رسخا المسؤولية الجماعية تجاه قيم العدالة.
وفي هذا الصدد بيّن برهان الدور التاريخي، الذي أداه العراقيون، في صناعة كربلاء التاريخية، بحفظ آثارها، وترسيخ معالمها، حين بادرت قبيلة بنو أسد العراقية، إلى دفن شهداء الطف، بإرشاد الإمام علي زين العابدين عليه السلام، لتبدأ بعدها مسيرة إعمار المرقد الحسيني، وصيانة معالم المدينة، وتأمين طرق الزائرين، حتى تحولت كربلاء إلى حاضرة عالمية للحرية والتضحية والعدالة.
وفي الختام خلص برهان، إلى أن الإمام الحسين عليه السلام، قدّم رؤية جيوسياسية متكاملة، جعلت من العراق محورًا لمشروع الإصلاح، بموقعه الجغرافي، وموارده البشرية، المزدانان برصيد حضاري، ووعي مجتمعي، و نتاج قيادي، ليؤسس مفهوما جديدا في الفكر السياسي، يكون فيه الإنسان والشرعية والأخلاق، عناصر قوة مؤثرة، مؤكدا الدور المحوري الذي اضطلع به العراق، ليرسيه أرضًا للإصلاح، ومنطلقًا للوعي، وموطنًا لإحداث التحولات، العابرة للزمان والمكان.

