نشر الدكتور صفاء عبدالله برهان، مقالا بعنوان (قراءة سردية في وصية موريسكية من أدب الوصايا النبوية)، في جريدة الصباح هذا اليوم 24/8/2026، تناول وصية نبوية بمكتبة الإسكوريال الإسبانية، تحت رقم 1864، والمنشورة في أطروحة معاصرة بمدريد، والمتخذة استراتيجية فكرية خاصة، تبناها الأندلسيون المتأخرون، الذين عانوا الاضطهاد، فأعادوا انتاج أدب الوصايا، بما بقي في أيديهم من تراث، ممزوجا بمخيالهم الشعبي، ليكون ملاذا يضمن تماسكهم، وحفظ هويتهم، لذا جعلوا المخاطَب ليث المشارق والمغارب، أسد الله الغالب، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، عليهما السلام، الذي حضر في مدوناتهم، منقذا بشروا به، للخلاص من واقعهم العصيب، بعد زوال ملكهم في الأندلس.
برهان تناول افتتاحية الوصية، التي انطلقت من حوارية، اعتمدت تقانة “الميتا سرد”، وقد مهّد النص براوٍ غائب، لمنح الشرعية التاريخية والقدسية للملفوظ الذي يليه، لتشغل حيزها السردي: (يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بوصايا، وقال: احفظها يا علي فإنك لا تزول بخير ما حفظتها). وهذا مرتكز سردي ونفسي، يعصم القارئ الموريسكي من الاندثار، ويشحنه بحوار تفاعلي: (يا علي، ثلاثة عند الله مقتاء، قال: من هم يا رسول الله؟ قال: الضاحك من غير عجب، والنائم بالنهار من غير سهر، والآكل الشابع من غير جوع). لذا تدفق النداء “يا علي”، سبع وعشرين مرة، ليمثل لازمة مرنة، تربط فقرات الوصية، وتنتقل الخطاب عبر موضوعاتها بسلاسة. بعدها تناول برهان فضاء الوصية، وهما “عالم الغيب”و”عالم الشهادة”.
تناول النصف الأول عالم الغيب، منظومة شرطية صارمة، تربط الفعل الدنيوي بالجزاء الأخروي، تعويضا لواقع الموريسكيين المهضوم: (يا علي، ركعة من صلاة الليل حرز لصاحبها في الدنيا والآخرة. يا علي، المصلي بالليل له بكل ركعة قصر في الجنة، وبكل سجدة حورية). وبالمقابل، يمتد الشرط الجزائي الصارم لخطايا مثل الزنا، ليمس الواقع السياسي والاجتماعي : (فأما التي تصيبه في حياته: فيرفع الله البركة من عمره، ويجور عليه سلطانه). وهذا الربط يجلي المخيال الشعبي الموريسكي، الذي فسر انهيار السيادة الأندلسية بانتشار التحلل الأخلاقي، والفساد السياسي، ليرممه السرد بربط السلوك بالقدر السياسي.
وبين برهان أن السارد الموريسكي، استحضر الآيات القرانية، لتعزيز القوة الإسنادية، ولتتماهى مع صوت النبوة والوحي: (يا علي، إياك والنميمة؛ فإن الله تعلى حرم الجنة على كل بخيل تمام. وقد قال الله تعلى: هماز مشاء بنميم)، وامتد ذلك عبر تقانة “الحكاية داخل الحكاية”، لإحداث تراجع زمني، يقلب الهرم الطبقي، ويحول الفقير المستضعف إلى “ضيف الله” المكرم: (أوحى الله تعلى إلى موسى: أكرم الفقير كما تكرم الغني…يا علي، أوحى الله إلى إبراهيم الخليل عليه السلام: أكرم ضيفي…قال: ومن ضيفك يا رب؟ قال: الفقير الحقير عند الناس). وهو إسقاط على البيئة الموريسكية، التي عانت فقرا مدقعا وتهميشا.
وتناول برهان النصف الآخر عالم الشهادة، متمثلة بأنثروبولوجيا الجسد والطب الوقائي، كحصن أخير لحماية كيان المجتمع من الفناء. اذ يقترن الزمن الفلكي وحركة الأخلاط، بالمرض والشفاء بصورة سببية صارمة: (يا علي، لا تحتجم في أول الشهر فإنه يولد البرص، ولا في اليوم الثاني فإنه يولد الجذام…عليك بالحجامة يوم سبعة عشر من الشهر…). وهذه العناية بصيانة البدن، تتمدد نحو تفاصيل لـ”تقديس اليومي”، ودمج المنافع المادية بالمكاسب الروحية، كرضا الخالق ومضاعفة الأجور، عبر رمزية العدد: (يا علي، أفطر كل صباح بالملح؛ فإن فيه شفاء من سبعين داء… يا علي، عليك بالسواك؛ فإنه مطهر للفم، ومرضاة للرب…)، وبذلك تحولت العادات البيولوجية، إلى طقوس تعبدية خفية، تعجز محاكم التفتيش الإسبانية.
وبين برهان أن ذروة المقاربة السردية، بلغت في تنظيم عملية التكاثر البشري، حين حتمت بيئة مكانية وزمنية مقدسة، تحمي الجيل الجديد من التلاشي، وتكشف الرعب الوجودي الموريسكي، بحماية الأجيال الجديدة، وصونها من الانحراف، أو الذوبان التام في الثقافة الإسبانية المفروضة.
واختتم برهان مقاله بسردية عودة الوصية إلى المصدر السماوي: (يا علي، احفظ وصيتي كما حفظتها من جبريل. كملت الوصية بحمد الله وحسن عونه)، مؤكدا أن العقل الموريسكي، نجح في تصيير الموروث خطابا حكائيا تفاعليا، يمس القلوب الخائفة، فغدا مقاوما فكريا وروحيا، عصم الهوية الأندلسية من الذوبان، وترك للبشرية شاهدا حيا مذهلا، على عبقرية الإنسان وإرادته الصلبة، في الدفاع عن وجوده المعرفي والتاريخي.

Comments are disabled.