تزامنا مع الولادة المباركة للإمام جعفر الصادق عليه السلام بتاريخ ١٧/ربيع الأول/٨٠ هج، نشر الدكتور صفاء عبد الله برهان، مقالا بعنوان “صورة الإمام جعفر الصادق عليه السلام في الفضاء الأكاديمي الأوروبي”، وذلك في جريدة الصباح هذا اليوم 1/9/2026، مستعرضا ما قدمته الندوة العلمية العالمية، التي عقدها مركز الدراسات العليا المتخصصة في تاريخ الأديان بجامعة ستراسبورغ الفرنسية عام 1968م، بمشاركة خمسة وعشرين عالما من مختلف التخصصات والجامعات العالمية.
وبيّن برهان أن الندوة اتخذت من الإمام جعفر الصادق عليه السلام، أنموذجا لدراسة المنجز الحضاري لمدرسة أهل البيت عليهم السلام، مشيرا إلى أن أعمالها جُمعت في كتاب «الإمام الصادق عليه السلام كما عرفه علماء الغرب»، الذي ترجم من الفرنسية إلى الفارسية، ثم إلى العربية.
ويركز المقال على أن أهمية هذه الصورة، لا تكمن في تعدد المجالات التي تناولتها فحسب، وإنما في طبيعة المنهج العقلي، القائم على السؤال والملاحظة والنقد.
ففي المجال الفلكي، يستشهد المقال بالمقولة الجعفرية: (إذا كانت الشمس تدور حول الأرض، وتنتقل من برج إلى آخر في ثلاثين يوما؛ لتتم دورتها مرة كل سنة، فما السر في غيابها كل ليلة لتظهر في صباح اليوم الثاني؟). ردا على نظرية عالم الفلك الاغريقي كلوديوس بطليموس في دوران الشمس حول الأرض، وحلل المقال المقولة الجعفرية، بوصفها أنموذجا لتحويل الظاهرة اليومية إلى سؤال معرفي؛ إذ لا يكتفي التفكير هنا بتلقي النظرية الشائعة، وإنما يختبر قدرتها على تفسير المشاهدة. وأن المعرفة لا تستمد قوتها من شيوعها، بل من قدرتها على تفسير الواقع.
وفي السياق ذاته، ترد المقولة: (إن النجوم أجسام مضيئة بذاتها، وإن ضوءها يصل إلينا من مسافات بعيدة). ويرى برهان أن أهمية هذه المقولة الفلكية، تكمن في أنها تقدم تصورا عن مصدر ضوء النجوم، ووصوله إلى الإنسان، بما يكشف اهتمام الفكر الجعفري بطبيعة الأجرام السماوية، وليس بمجرد وصفها ومراقبتها.
أما في نشأة الكون، فيتوقف المقال عند المقولة الجعفرية: (إن الكون لم يكن موجودا، ثم وجد، وإن وجوده لم يكن دفعة واحدة، بل مر بمراحل وأطوار). وهذه تؤسس لفكرة التدرج والتحول، فلا تُفهم نشأة الكون بوصفها واقعة جامدة، وإنما مسارا يمر بمراحل. ويعزز بمقولةأخرى، وهي: (إن الكون لا ينحصر في عالمنا وحده، وإنما هناك عوالم أخرى)، الذي يفتح أفق التفكير على أن العالم المحسوس، لا يمثل بالضرورة كل الوجود.
وفي الطب، يستشهد المقال بمقولتي الإمام الصادق عليه السلام: (المعدة بيت الداء، والحمية هي الدواء) و (عوّد البدن ما اعتاد). ويشير برهان إلى أن الأولى، تنقل الاهتمام من علاج المرض بعد ظهوره، إلى الوقاية منه، عبر تنظيم الغذاء، فيما تؤكد الأخرى أثر العادات المتكررة في صحة الإنسان. وبذلك تظهر الرؤية الطبية، بوصفها ثقافة سلوكية ووقائية، لا مجرد تدخل علاجي.
كما تناول المقولة الجعفرية: (إن هناك أمراضا ينبعث منها ضوء، فإذا أصاب هذا الضوء أحدا انتابته العلة)، موضحا أن أهميتها، تتمثل في محاولة تفسير انتقال أثر المر عبر وسيط غير مرئي.
وفي الفيزياء، تبرز المقولة الجعفرية: (إن الزمان غير موجود بذاته، ولكنه يكتسب واقعيته وأثره من شعورنا وإحساسنا، وإن الزمان هو حد فاصل بين واقعتين أو وحدتين). وهذه الرؤية انتقال من التعامل مع الزمن كتعاقب للأحداث، إلى التفكير في طبيعة الزمن وعلاقته بالإدراك والتغير. ويعضد ذلك بالقول: (كل شيء في العالم متحرك، والحركة ملازمة للموجودات)، الذي يقدم الحركة باعتبارها مبدأ عاما لفهم الموجودات وتحولاتها.
وفي الكيمياء، يورد برهان المقولة الجعفر: (إن جسم الإنسان يتألف من نفس العناصر الموجودة في الأرض، ولكن بنسب متفاوتة)، ويرى أن الدلالة الأساسية هنا، تتمثل في ربط الإنسان بالطبيعة ماديا، وإظهار أن الاختلاف بين الإنسان والبيئة، لا يعني الانفصال عنها، وإنما اختلافا في التركيب والنسب.
كما يشير إلى مقولة: (الهواء مركب من عدة أجزاء، وينفذ أحد أجزائه في بعض الأجسام ويغيرها، وهو الذي يساعد على الاحتراق، ولولا مساعدته لا تحترق الأجسام القابلة للاحتراق). ويقرأها المقال بوصفها وصفا؛ لوجود مكوّن في الهواء يرتبط بعملية الاحتراق، وهي الفكرة التي ربطها الكتاب بالأوكسجين.
كما الإشارة إلى عالم الكيمياء التاريخي جابر بن حيان الكوفي، مستشهدا بعبارته: (علمني سيدي جعفر بن محمد)، وأن هذا لا يدل على علاقة التلمذة فحسب، بل يظهر انتقال المعرفة من الأستاذ إلى التلميذ، وتحولها إلى مشروع علمي متواصل.
وخلص المقال إلى أن صورة الإمام جعفر الصادق عليه السلام، التي يعرضها هذا النتاج الأكاديمي، تقوم على العقل والسؤال والملاحظة والنقد والتجربة ونقل المعرفة، وهي أبعاد تجعل دراسة شخصيته متصلة بتاريخ الفكر والحضارة، إلى جانب مكانتها الدينية والفكرية.

Comments are disabled.