شهدت كلية العلوم الإسلامية بجامعة بغداد مناقشة علمية رصينة ومتميزة لرسالة الماجستير الموسومة بـ “الجهود المعجميَّةُ لابن الطيِّب الفاسيِّ (ت. 1170هـ) في مؤلَّفاته المطبوعة” والتي تقدم بها الطالب عبدالله خليل إبراهيم من قسم اللغة العربية وذلك بحضور الأستاذ الدكتور نعمة دهش فرحان ونخبة من الأساتذة والباحثين والمختصين .
وتتجلى أهمية هذه الدراسة في إبراز المكانة التأسيسية للدرس المعجمي العربي باعتباره من أدق ميادين البحث اللغوي وأوسعها أثرًا في تتبع الألفاظ والتحقق من صحيحها وسقيمها وتسعى الرسالة إلى الكشف عن كنز نفيس من كنوز التراث اللغوي عبر العناية بآثار الإمام ابن الطيب الفاسي—الذي وُصف بأنه «شيخ المعجميين في المغرب بلا منازع»—ميطةً اللثام عما قدمه من إضافات واستدراكات وتوجيهات دلالية ونقدية أسهمت في إضاءة جوانب متعددة من فهم المتن المعجمي.
وفي سياق متصل تمثلت أهداف الرسالة في استقراء المسائل المعجمية المتفرقة في مؤلفات الفاسي المطبوعة وتحليلها وفق منهج وصفي إستقرائي دقيق لبيان مدى موافقته أو مخالفته للمؤلفين السابقين لا سيما في استدراكاته على أمهات المعاجم كـ “القاموس المحيط” للفيروزآبادي و”الصحاح” للجوهري مع الوقوف على منهجه النقدي القائم على التتبع والموازنة بين الأقوال بالاعتماد على الرواية اللغوية والسياق والاستعمال العربي.
وقد تمخضت الدراسة عن فصول أربعة تبحث في حياة الفاسي وآثاره ونشأته واستدراكاته المعجمية في قضايا الضبط ومنهجه النقدي وتنبيهاته وترجيحاته الدلالية وفي هذا الإطار أثبت الباحث عبر تتبع هذه الفصول النتائج الأبرز للدراسة: إثبات العقلية الموسوعية والنقدية للفاسي حيث أظهرت الدراسة أن ابن الطيب الفاسي لم يكن مجرد ناقل للغة، بل تميز بعقلية فاحصة قادرة على الموازنة والترجيح بين أقوال اللغويين السابقين، وهو ما تجلى بوضوح في استدراكاته العلمية الدقيقة على أمهات المعاجم العربية كـ “القاموس المحيط” و”الصحاح” و الاعتماد على قرائن السياق والتحقيق العلمي في توجيه المعاني إذ كشفت النتائج عن تميُّز منهج الفاسي في تتبع الألفاظ وضبطها من حيث الإعجام والإهمال والحركات والجموع (مثل: الثوادي/النوادي، وحمُق/حمِق، والأياديم) معتمداً على دقة توجيهه وترجيحاته الدلالية للمفردات بالاستناد إلى السياق اللغوي والاستعمال العربي الفصيح كما في ترجيحاته لألفاظ: (الأيادي، واللبون، والناقع، والأهاضيب).
وفي ختام هذه المناقشة المستفيضة خلصت الرسالة إلى التوصية بضرورة استمرار العناية بالمخطوطات والمؤلفات النادرة لابن الطيب الفاسي التي لم تنل حظها الكافي من الدراسة والجمع—حيرة يربو تراثه على ستين مؤلفًا بين مطبوع ومخطوط ومفقود—وتفعيل البحث العلمي في استقراء ونشر ما تبقى من حواشيه وتآليفه اللغوية لخدمة المكتبة العربية المشتركة.
وبناءً على ما قدمته الرسالة من طروحات معرفية أجازت لجنة المناقشة الموقرة الرسالة بتقدير مستوف. وتألفت لجنة المناقشة من الأستاذ الدكتور علي حلو حواس رئيساً والأستاذ الدكتور خولة عبيد خلف عضواً والمدرس الدكتور رياض ساجت سالم عضواً والأستاذ الدكتور عماد علوان حسين عضواً ومشرفاً.

