نشر أستاذ الأدب الأندلسي المساعد الدكتور صفاء عبد الله برهان، دراسة نقدية في أدب الرحلات، بعنوان «نظرات في رحلة الحاج عمر بطون الآبلي»، تناولت رحلة حج أندلسيّة مدجّنيّة نادرة، دوّنت بالأعجمية Aljmiado، وهي اللغة التي تعاهدها الأندلسيون المدجّنونLos Mudéjares، بعد تراجع لغتهم العربية، في المدن التي احتلتها ممالك قشتالة Castilla، ونافارا Navarra، وأراغون Aragón، في ضمن حروب الاسترداد Reconquista، كاشفا معطياتها المتنوعة، بما يظهر صورة المدجّنين في مرحلة تحولاتهم الكبرى، وقد افترشت الدراسة 97 صفحة، في العدد 47 من مجلة إشراقات تنموية المحكمة.
الدراسة التي انطلقت من النسخة المعرّبة للرحلة، تتبعت الجهود التي أخرجت المخطوطة ـالموجودة في مكتبة برلمان آراغون، بمدينة بلنسية Valenciaـ من صورتها الأصلية إلى نص محقق فمترجم، معضّدة بقراءة نقدية، وبذلك لم يتعامل مع الرحلة، بوصفها نصا أدبيا؛ لتسجيل مسار الحج فحسب، بل وثيقة تكشف جوانب من واقع المدجّنين، وذاكرتهم الأندلسية.
برهان قسّم دراسته إلى مدخل وثلاثة أقسام، ونتائج، وجريدة مضان، وملحق مصوّر، وملخص بالعربية والإسبانية. وقد تناول المدخل شخصية عمر بطّون، وصديقه محمد دل كرّال؛ لاستجلاء ملامح حياتهما، وصلتهما بمدينة آبلة Ávila.
وتوقف القسم الأول «نظرات في المقدمة والتقديم»، عند المدجّنين الخاضعين للإسبان. كما عرض جهود المحقق، وهو المستعرب الإسباني” شبيا كزاسَس كَنَلْس”، أستاذ الدراسات العربية والإسلامية والمخطوطات الموريسكية والمدجّنية بجامعة سالزبورغ، فضلا عن فريق البحث الإسباني بجامعة بلد الوليد، وهم: “أنا أتشيباريا أزسواغا، وخابيير خيمنيث غاديا، وسيرافين دي تابياس سانتشيث، وأولاتث بيانويبا ثوبياتاريتا”.
وتبرز أهمية جهودهم في تحويل المخطوط الأعجمي إلى نص محقق، عبر قراءة المخطوط وضبطه، ومقابلة مادته بالمصادر المتعلقة به. كذلك رُمقت جهود الترجمة، التي أنجزتها الأديبة العراقية باهِرة عبد اللطيف ياسين،ـ المقيمة في مدينة آبلةـ بما أتاح النص للقارئ العربي، مع مراعاة خصوصيته اللغوية والثقافية والتاريخية. وتمت بهذا القسم دراسة الظروف المحيطة برحلة الحج، ولاسيما خروج الرحّالينِ سنة 896هـ وعودتهما سنة 900هـ. فتناول تنظيم المجتمع المدجّن، ودور مؤسسة الجماعة aljamaa، في إدارة شؤونه الدينية والاجتماعية، رابطا ذلك بالسياق التاريخي الذي أنتج الرحلة، وأحاط بتداولها.
أما القسم الثاني «نظرات في تحقيق المتن ومكملات الضبط»، فبحث متن الرحلة، عبر مناقشة طرائق تحقيقه وضبطه، ومقابلته بالمعطيات العلمية. وركز على مواضع تحتاج إلى مراجعة، ولا سيما أسماء الأماكن والأحداث والشخصيات، وما قد يعتري “التدوين المدجّني” من التباس، أو اختلاط في المعلومات. مقرّرا أن تحقيق النص، لا يقتصر على الضبط اللغوي، بل يتطلب تداخل النقدين النصي والتاريخي، والقراءة الجغرافية والاجتماعية. كما اهتم هذا القسم بالحالة المادية للمخطوطة، ولا سيما الخُروم والتلف، وأثرهما في الفقدان من الحرف إلى الصفحات، عادا ذلك جزءا من تاريخ الوثيقة، وظروف حفظها وانتقالها. ودرس كذلك الخصائص اللغوية للنص المدجّن، وما تكشفه من تداخل بين العربية، والبيئة اللغوية المحيطة بها، بما يمنح الرحلة أهمية في دراسة التحولات التي طرأت على لغة الأندلسيين، في ظل المتغيرات السياسية والاجتماعية.
وخص القسم الثالث «نظرات في المكملات والملاحق الفنية للتحقيق»، بالكشافات والجداول والرسوم والمواد المساعدة. وناقش إحاطتها للأعلام والمواقع والجماعات والمصطلحات والمفردات، وعمل برهان على إضافة فهارس جديدة، افتقدها عمل المحقق الإسباني “شبيا كزاسَس كَنَلْس”، عززت الإفادة من النص بنحو أمثل، وهي فهارس الأعراق البشرية، والجماعات الدينية، والعلوم والمعارف، والكتب الواردة ضمنا في متن الرحلة وهامشها، كما تناول هذا القسم الجداول الزمنية لمسار الرحلة، والرسوم التوضيحية التي تساعد على تقريب مواضع ومعالم، فضلا عن تصنيف العناصر التي لم تحظَ بالتمثيل الكافي.
و في الختام خلص برهان إلى أن رحلة عمر بطون، تمثل مصدرا مهما من مصادر أدب الرحلات الأندلسية؛ لفحص حياة المدجّنين، إذ كشفت جوانب دينية واجتماعية وثقافية ولغوية من حياتهم. وبينت أن التعامل مع المخطوطات المدجّنية، يستلزم قراءة نقدية متكاملة، تجمع بين التحقيق والتاريخ والجغرافية واللغة، وبذلك أسهمت الرحلة في إعادة الاعتبار إلى النصوص المدجّنية، بوصفها مصادر أساسية؛ لفهم تاريخ الأندلسيين المدجّنين في تلك المرحلة التي أصابتها تعمية بحثية، لم تبصر سبيلها لدراسة ذلك التاريخ الذي لم يكتب، والشعب الأندلسي المسلم الذي لم ينصف.

Comments are disabled.